وخطرت على بالي فكرة إعادة الدراجة واستبدالها بسيارة مستعملة مع دفع فرق بسيط بالثمن. وفي الوقت نفسه قرأت في الصحف المحلية عن وجود محلات لتأجير السيارات وقلت في نفسي طالما أني عزمت على شراء سيارة فلما لا اجرب تأجير سيارة خلال أوقات الفراغ لا سيما في عطلة نهاية الأسبوع وتم تنفيذ الفكرة. وفي أحد الأيام بينما كنت أسوق في إحدى شوارع المدينة ظهر لي صبي بصورة مفاجأة في أحد الشوارع الجانبية يدفع عربة صفت فوق رفوفها أكياس صغيرة من الورق فيها بعض البازاليا وقد اربكتني هذه المفاجأة فلم استطع تحاشي الاصطدام بالعربة مما أدى إلى انقلابها وتناثر أكياس البزاليا في عرض الشارع!
وكان الصبي في حوالي الثانية عشرة من عمره فاقترب مني وقد بدت على وجهه ملامح الخوف والانزعاج واخرج من جيبه قلما وورقة وقال لي من فضلك اكتب لي اسمك وعنوانك، فسألته عن سبب طلبه هذا فرد علي قائلا لكي أقدمه لصاحب الدكان الذي تخصه العربة، قلت له وأين الدكان قال ليس بالبعيد عندها سحبت العربة بالقرب من الرصيف وقلت له اركب معي لنذهب سويا إلى صاحب الدكان الذي لم يكن بعيدا من مكان الحادث وكان دكان بقالة فاستقبلتني عند بابه سيدة في الأربعينات ترتدي لباسا أبيضا ناصعا وقد سبقني إليها الصبي وقال لها بصوت عال"لقد حطم العربة!"فأشارت عليه بيدها لتفسح لي المجال بالحديث فأخبرها بتفاصيل ما حدث وأخرجت من جيبي ورقة من فئة الخمسة جنيهات وقلت لها بأني أنا المخطئ ومستعد لتحمل ما يصيبكم من ضرر فردت علي بابتسامة هادئة قائلة لا بأس عليك. وكتبت لها اسمي وعنواني ورفضت أن تأخذ الدراهم التي أعادتها لي بينما كنت أتوسل إليها أن تبقي المبلغ عندها ولكنها رفضت وطلبت من الصبي أن يذهب ليأتي بالعربة وانصرفت على أمل أن تكتب لي عن تكلفة إصلاح الضرر.
ومرت الأيام دون أن يصلني أي شيء فخشيت أن تكون تلك المرأة الطيبة قد فقدت العنوان الذي أعطيته لها أو أن الرسالة قد ضلت طريقها فانتهزت فرصة فراغ وذهبت إلى البقالة فوجدت السيدة نفسها وبجانبها يقف رجل تخطى الأربعين من عمره عرفتني عليه على أنه زوجها وقد استفسرت عن عدم إرسال الجواب المطلوب فضحكت وقالت قبل دخولك علينا كنا نتباحث أنا وزوجي حول الكتابة إليك لإخبارك أنه بعد فحص العربة لم نجد أنها قد أصيبت بتلف. وأما البزاليا فان ثمنها زهيد ولا يستحق المطالبة به. وقد أخجلني هذا الرد المؤدب الذي لم أكن أتوقعه وأخرجت من جيبي مبلغًا من المال ووضعته أمامها ولكنهما رفضا أخذه بكل إصرار مما زاد في حرجي وارتباكي. ولم تكن لدي حيلة سوى تقديم الشكر لهذين الزوجين الطيبين.
وخلال تلك الأيام استلمت السيارة المستعملة التي أوصيت عليها وكانت من طراز (بيبي أوستن) BABY AUSTIN لعام 1932 وكانت بحالة جيدة. وقد أشرت في السابق إلى سكرتير الإدارة المستر DAY حيث توثقت صلتي به مع الأيام فكنا نخرج سويًا في أوقات الفراغ لا سيما في العطل الرسمية وقد ازدادت هذه الصلة واللقاءات بعد شرائي السيارة فقد كنا نقوم برحلات إلى مدن بعيدة ومنها مدينة لندن وقد أفدت منه كثيرًا في تحسين لغتي الإنجليزية فقد كان لا يتردد في مقاطعتي ولفت انتباهي إلى أخطائي اللفظية وكنت اشكره وأطلب منه المزيد لأستفيد.