ثم يتدخل آخر في الحديث وأظنه كان أستاذًا في أحد الجامعات وأخذ يتكلم بهدوء وكأنه يخاطب تلاميذه قائلًا أنا لا أريد الدفاع عن الاستعمار البريطاني وأساليبه في الحكم وغيره ولكني أود أن أقول انه في الوقت الذي نتحدث فيه عن الاستعمار ومساوئه يتوجب علينا أن لا ننسى أولئك الرجال البريطانيين الذين خدموا البشرية بعلمهم وأدبهم ومخترعاتهم واكتشافاتهم فلقد كان أولئك الرجال الأفذاذ هم الذين ساهموا في رفع مستويات حضاراتنا المعاصرة. وهنا أطلق أحد الحاضرين نكتة لطيفة أثارت الضحك وأنهت ذلك الجدل الجاد.
وتغادر الباخرة ميناء مرسيليا وتنطلق تتهادى ببطء مبتعدة عن الميناء وضجة وقرقعة الرافعات التي لم تهدأ خلال توقفنا في الميناء ونعود إلى ذلك الجو الهادئ ورياح البحر الصافية المنعشة.
وتمر الأيام والليالي مسرعة ونقترب من ميناء بور سعيد حيث كانت عنده ستنتهي رحلتي البحرية التي دامتحوالي ثلاثة عشر يومًا وودعت الجماعة الذين قضيت معهم وقتًا ممتعًا. وبعد الانتهاء من معاملة الجوازات ذهبت إلى الجمارك وكانت معي علبة TOOLS داخلها بعض الأدوات الصغيرة التي كنا نستعملها لفك بعض أجزاء محرك الطائرة وطلب مني الموظف أن أدفع عليها رسم الجمرك وكان مبلغًا يؤثر على ميزانيتي المحدودة التي يجب على أن أصرف منها طول الطريق فقلت للرجل إني لا أملك المبلغ الذي تطلبه وإني متنازل عن هذه العلبة فاحتفظ بها ودعني أنصرف ولكنه لم يقتنع بما عرضته عليه وألح في طلب المبلغ وفي تلك اللحظة مر أحد كبار مفتشي الجمارك فاستوقفه مأمور الجمرك وشرح له الموضوع فاقترب مني وأخبرته بما عندي فالتفت نحو المأمور وخاطبه بلهجة فيها شيء من التوبيخ ولا زلت أتذكر كلماته عندما قال له إن مطالبتك له بدفع الجمرك هي ظلم وعدوان فهو تلميذ وهذه المعدات جزء من أمتعته الشخصية وفوق هذا فهو مار ببلادنا وليس مقيما فيها فشكرته على تلك اللفتة الإنسانية الكريمة ثم اتجهت بأمتعتي إلى أقرب فندق لأستريح، وأتذكر أن أجرة الغرفة كانت خمسة عشر قرشًا.
التجول في مدينة بور سعيد
مدينة بور سعيد مدينة جميلة من مدن البحر الأبيض وتقترن شهرتها بالقنال الذي افتتح في عهد الخديوي إسماعيل عام 1869 وقصة الاحتفالات التي أقامها الخديوي إسماعيل مشهورة لما تخللها من بذخ وأبهة عندما حضر حفل الافتتاح مجموعة من الملوك وكبار الشخصيات العالمية ويكفي أن يعرف الإنسان أن دار الأوبرا المصرية بنيت لهذا الغرض ومثلت فيها مسرحية عايدة التي ألف موسيقاها الفنان الإيطالي الكبير فيردي VERDI.
استأجرت إحدى عربات (الحنطور) كما يسميها إخواننا المصريون وذهبت أولًا الى محطة القطار لاستفهم عن مواعيد القطار المسافر إلى فلسطين فعلمت أن السفر سيكون بعد الغروب لهذا وجدت عندي الوقت الكافي للتجول. وبعد جولة في أحياء المدينة والأسواق ذهبت إلى شاطئ القنال وشاهدت ذلك البناء الفخم وهو المقر الرئيسي لإدارة القنال ثم اقتربت من تمثال (فرديناند دليسبس) الدبلوماسي والمهندس الفرنسي صاحب مشروع حفر القنال. الذي استطاع أن يقنع