فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 161

الزيارات ونزلنا في أحد القوارب أنا والشاب الهندي الذي أشرت إليه وعند وصولنا إلى مدينة جبل طارق استأجرنا عربة تجرها الخيول وتجولنا في المدينة التي كانت شوارعها تعلوا مرة وتنحدر أخرى ولاحظنا العادات والأنظمة الإنجليزية. وكان ذلك بارزًا في لباس الشرطة الذي لم يكن يفرق عن لباس شرطة لندن. والذي لفت نظرنا رخص البضائع في المدينة لا سيما السجاير التي حسب ما علمنا أن الرسوم المفروضة عليها ضئيلة. ومن جبل طارق انتقلنا إلى مدينة طنجة وكانت مدينة صغيرة في ذلك الوقت والحكم فيها شبه دولي على ما أذكر وكان موزعًا بين الأسبان والفرنسيين وبينما كنا نتجول في أحياء المدينة القديمة لحق بنا صبي كان في حوالي الرابعة عشرة من عمره وكان يتكلم بلغة كانت مزيجًا من الأسبانية والفرنسية والعربية وعرفنا أنه أحد الأدلاء أو المرشدين السياحيين. وبعد جولة في المدينة عدنا إلى الباخرة التي أقلعت ليلتها متوجهة الى مارسيليا.

وعند الصباح وجدنا أنفسنا نجري فوق مياه البحر الأبيض الزرقاء الهادئة وسماء صيفه الصافية وتلك النسائم المنعشة وتمنى كل منا أن تطول وتستمر تلك الرحلة الموفقة. ولم أتذكر بالضبط كم أخذنا من الوقت للوصول إلى مارسيليا ولكني أتذكر أننا أقمنا في مينائها يومين بلياليهما حيث كانت الباخرة تنزل بعض حملها وتستلم أحمالًا أخرى. وقد سمح لنا بالنزول مع التحذير من إدارة الباخرة بالابتعاد عن بعض الأماكن المشبوهة لا سيما خلال فترة الليل. وكنت قد مررت بالمدينة في أول رحلتي كما سبق وذكرت. وكنا ننزل لفترات قصيرة أثناء النهار لشراء بعض الفواكه ثم نعود إلى الباخرة.

ومع مرور الوقت ارتفعت الكلفة إلى حد ما بين الذين اعتادوا الاجتماع في صالون التدخين بعد تناول العشاء. وكان صاحبنا الهندي بأسلوبه اللبق في أحاديثه التي يختلط فيها الجد بالهزل يهاجم البريطانيين وينعتهم بالمستعمرين مصاعبي الدماء ويقول وهو يوجه كلامه لبعض الحاضرين منهم"لقد عمرتم بلادكم على خراب بلادنا"فيقاطعه. أحدهم بقوله"لقد جئنا إلى بلادكم فوجدناكم تعيشون في الأكواخ والمستنقعات فعمرنا البلاد وضاعفنا ثرواتها وبنينا سكك الحديد والطرق والمصانع والسدود"فيرد عليه الهندي قائلًا"إن ما تقوله فيه شيء من الحقيقة ولكنكم استوليتم على خيرات البلاد وسخرتم معظم مرافقنا لمصلحتكم، وجعلتم من أبنائنا جنودًا وحطبًا لنيران حروبكم الاستعمارية. إن إمبراطوريتكم هذه بنيت على أشلاء الفقراء والبائسين، لقد كنتم قبل ذلك منعزلين في جزيرتكم تعيشون على صيد الأسماك ثم انتقلتم إلى مهنة القرصنة البحرية. إنكم لا شك قرأتم عن القرصان الشهير (دريك) الذي كان ينهب السفن في المحيطات ويأتي ليقدم بعضها هدايا للملوك"!.

ويقاطعه أحد الحاضرين ويقول له"أنت شاب مثقف وتعرف الحقائق ولكنك تغالط عن قصد فالقرصنة في تلك الأيام كانت أسلوبًا من أساليب الحرب ولم نكن وحدنا الذين مارسوها فكثير غيرنا قاموا بذلك. وأظنك تعرف أننا أول من وضع أسس الديمقراطية الحديثة وتاريخ البرلمان البريطاني يشهد بذلك. أما الاستعمار الذي تتحدث عنه فقد جاء نتيجة لصراعات دولية على مناطق النفوذ ولم نكن وحدنا المسئولون عنه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت