الثانية. وعدت في اليوم الثاني إلى المدرسة وسلمت السيارة إلى المحل الذي اشتريتها منه بعد أن تفاهمنا على الثمن.
وغادرت مدينة ساوثهامبتون مقر المدرسة بالقطار إلى لندن حيث من هناك انتقلت إلى الباخرة وكان ذلك بعد ظهر يوم 31 من شهر مايو (أيار) 1934 وفي صباح اليوم الثاني غادرت الباخرة الميناء وكانت وجهتها جبل طارق. وكنت في غرفة وحدي توفرت فيها وسائل الراحة وكنت أشعر بالفارق الكبير بين الدرجة الرابعة يوم سفري من بيروت على الباخرة الفرنسية وبين الرحلة في هذه الدرجة المريحة التي جاءت بمثابة مكافأة لمجهود دام أكثر من ثمانية أشهر في ظروف لم تكن دائما سهلة.
وكنت أشعر وأنا أغادر لندن بشيء من الرضا والاطمئنان بيني وبين نفسي حيث ها أنا ذا أعود إلى بلدي وأهلي ولست خالي الوفاض بعد هذه الرحلة التي يمكن وصفها بالقفزة إلى المجهول أو المغامرة حسب ظروف ومؤشرات تلك الأيام. وكنت أشعر باتساع آفاق مداركي ومعلوماتي العامة بسبب ذلك المحيط الحضاري الذي عشت فيه وما يشتمل عليه من دقة ونظام وانضباط.
كذلك فقد طرأ تحسن ملموس على لغتي الإنجليزية في الكتابة والكلام شأني شأن من جاء ليتعلم اللغة الإنجليزية وهذا وحده يعتبر مكسبًا هامًا من مكاسب الرحلة. ولا بد أن القارئ الكريم يود أن يعرف عن تكاليف تلك الرحلة الدراسية من بدايتها حتى نهايتها بما في ذلك أجور السفر وتكاليف المعيشة وأجور الدراسة والمصاريف الخاصة فأقول أن المبلغ بكامله لم يتجاوز الخمسمائة جنيه إسترليني. ومع أن هذا المبلغ ليس بالقليل أو الهين بمعدلات تلك الأيام والتي ذكرت بعض النماذج عنها. فقد كان من الممكن لشاب مثلي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره أن يتلف هذا المبلغ وأكثر منه في أيام معدودات في بلد كثرت فيه المغريات. هذه الأفكار وأمثالها مرت بخاطري بينما كنت أراقب آخر معالم لندن من وراء الأفق البعيد. وخرجت الباخرة بعد فترة من القنال الإنجليزي أو بحر المانش كما يسميه الفرنسيون. ودخلنا عند المساء في خليج بسكاي وبدأت الباخرة تتمايل يمنة ويسرة بسبب شدة الرياح وارتفاع الموج وبعد تناول العشاء الذي كان جيدًا بأنواعه كما كانت وجبة الغداء قبله. ولم تكن الدرجة الثانية مزدحمة بالركاب لأن الذاهبين إلى الشرق في موسم الصيف قلة بعكس القادمين من المستعمرات الذين اعتادوا قضاء أجازاتهم في مثل هذا الموسم.
وبعد تناول طعام العشاء ذهبنا إلى صالون الدرجة الثانية أو"قاعة التدخين"كما يسمونها وشاهدت هناك بعض العائلات من البريطانيين المسافرين إلى الهند أو الشرق الأقصى وإلى استراليا، كما كان هناك بعض الشباب الهنود الذين كانوا يدرسون في المعاهد البريطانية ومن بينهم شاب خفيف الظل سريع النكتة كان يدرس في سكوتلاندا.
وفي اليوم الثاني ألقت الباخرة مراسيها أمام جبل طارق وكان الوقت مساء وفي صباح اليوم الثاني أخبرنا ربان السفينة أن هناك مجال لزيارة الجبل ومدينة طنجة. ورحبت مجموعة من الركاب بهذه