دليل على توقف المحرك وكان من حسن حظ ذلك التلميذ أن توقف عنده المحرك على ارتفاع سمح له بأن يوجه الطائرة في الاتجاه الصحيح والزاوية الصحيحة للنزول (كانت سرعة طائرات التدريب في تلك الأيام لا تتجاوز المائة ميل بحري(عقدة) أما سرعة الهبوط فمعدلها حوالي 45 ميلًا علما بأن الميل البحري أو العقدة المتبعة في قياس سرعة الطائرات والبواخر فتزيد 15% في المائة عن الميل الأرضي أي أن كل 100 ميل بحري أو جوي تساوى 115 ميل أرضي).
وكنا في أحد الأيام في الصف نستمع إلى إحدى المحاضرات وإذا بناقوس الخطر يدق بعنف فعرفنا أن هناك حادثة وحاولنا التطلع من الشباك لمعرفة ما حدث فمنعنا الأستاذ من ذلك وظل يواصل الشرح والتفسير! وكنا على أحر من الجمر ننتظر انتهاء الدرس. وما أن خرجنا إلى ساحة المطار حتى وجدنا طائرتين من طائرات التدريب ركبت إحداهما فوق الأخرى فشعرنا برهبة الحادث ولكن تبين لحسن الحظ انه لم يصب أحد بأذى. وخلاصة الحادثة أن اثنين من الطلاب أحدهما من النمسا والثاني من الصين كانا يتدربان على الهبوط، وكان الدور للنمساوي الذي بدأ الاستعداد للهبوط، ثم جاء بعده الصيني الذي كان نظره منصبًا على أرض المطار التي كانت خالية فبدأ بتوجيه الطائرة نحو النزول بينما كان الطالب النمساوي من تحته يقوم بنفس العملية حيث هبط هبوطًا اعتياديًا وما هي إلا لحظات حتى لامس الطالب الصيني الأرض وفوجئ بمنظر الطائرة التي أمامه تدرج بنفس الاتجاه ولكنه لم يستطع عمل شيء حيث أن طائرات التدريب في تلك الأيام غير مزودة بالفرامل أو الكوابح فاستقرت طائرته فوق طائرة زميله وكان منظرًا فريدًا ونادرًا. وفي تلك الأثناء حضر رئيس المدربين وأمر بإزاحة الطائرتين من مكانهما وإحضار طائرتين أخريين ثم طلب من الطالبين النمساوي والصيني مواصلة التدريب!
ومن الواضح أن محاولة رئيس المدربين هذه تدل على تفهم للناحية النفسية وإزالة عقدة الخوف التي استولت على الطالبين بعد هذا الحادث حيث عادا كما كانا في مواصلة التدريب وتخلصهما من عقدة الخوف بوقتها وقبل إعطاء الفرصة لها بأن تتحكم وتستقر في أعماق عقلهما الباطن.
الاستعداد للسفر
في تلك الأيام الأخيرة من شهر مايو (أيار) بدأت أعد العدة للرحيل وقمنا أنا وصديقي DAY برحلة وداعية بالسيارة إلى لندن لأحجز مكانًا على إحدى البواخر المسافرة إلى الشرق. وكان فصل الربيع في تلك الأيام في أبهى حلله في الريف البريطاني الجميل حيث الأزهار والورود في كل مكان وكنا نتوقف بين حين وآخر في تلك القرى الهادئة الحالمة نستمتع بذلك الجو المعتدل والسماء الصافية والشمس المشرقة ووصلنا لندن في المساء حيث رتبت أموري في اليوم التالي مع إحدى شركات البواخر الكبرى واسمها بالحروف الأولى P&O وهي الشركة الأم التي تتفرع منها شركات الملاحة في الهند والخليج. وحجزت على الدرجة الثانية في باخرة المفروض سفرها في أول شهر جون (حزيران) متوجهة عبر البحر الأبيض وقناة السويس إلى الهند ومنها إلى استراليا آخر أطراف الإمبراطورية التي لا تغيب عن أراضيها الشمس في ذلك الوقت. وكان اسم الباخرة NARKUNDA وحمولتها ثمانية عشر ألف طن وعلمت فيما بعد أن غواصة ألمانية أغرقتها في الحرب العالمية