فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 161

بيني وبين نفسي أن لا أختم رحلة الباخرة المريحة بالعودة إلى تلك السيارات التي سافرت بها من قبل وبكل ما لاقيته فيها من تعب وإرهاق وان أجعل من هذه الرحلة مسك الختام كما يقول المثل. وذهبت إلى مكتب الشركة ومن حسن الحظ اخبروني بوجود مكان على السيارة المسافرة صباح اليوم الثاني فاستبشرت بهذا الخبر وسألت عن سعر المقعد فقيل لي خمس دنانير عراقية، بينما كان السعر في تلك الأيام على السيارات العادية دينارين.

ورجعت إلى جيبي أعد الفلوس التي بقيت معي ووجدت أني أملك الخمسة دنانير بعد أن حسبت حساب الفندق وما يتبع ذلك من مصاريف.

وسألوني عن الأمتعة ووزنها فاستغربت لهذا السؤال وفهمت منهم أن على أن أدفع مبلغًا على أي زيادة تكون في الأمتعة وكانت معي باستثناء الملابس بعض الكتب وكذلك (عدة الشغل) التي أشرت إليها في جمرك بور سعيد. ورأيت أنه حتى لا أحرج في آخر لحظة أن أسلم الأمتعة لهم فأسرعت إلى الفندق ولملمت الأمتعة باستثناء البيجامة وأدوات الحلاقة وعدت إلى مكتب الشركة فاستلموا مني العفش، وبعد الوزن اخبروني أن عندي زيادة وعلى أن أدفع عليها ما يساوي دينارا ونصفًا! وقد صدمتني المفاجأة حيث لم أكن أملك ذلك المبلغ بعد خصم أجرة الفندق والنثريات الأخرى وقلت للموظف الذي طالبني بالمبلغ أني لا أملك المبلغ الذي طلبه فاستغرب من جوابي وظنني أمزح معه، حيث كيف يكون هذا الأفندي الأنيق بلباسه الأوروبي وشعره المصفف والمسافر على شركة نيرن لا يملك مثل هذا المبلغ الزهيد. ولما عرف أني جاد في ما أقول ذهب إلى من هو أرفع منه رتبة ليأخذ رأيه وبعد غيبة قصيرة جاء الاثنان معًا وكان الثاني هو مدير المكتب فأخبرته أني قادم من أوربا وكان معي مبلغًا محدودًا من المال وقد نفذ فطلب جواز السفر فنظر إليه وعرف أني تلميذ، وسألني عن الحل قلت له ليس عندي حل هنا ولكني مستعد أن أدفع المبلغ إلى مكتبكم في بغداد. قال إذن سيبقى عندنا جواز السفر ويمكنك استلامه من مكتبنا في بغداد بعد دفع الدينار ونصف وانحلت المشكلة! وفي أثناء عودتي إلى الفندق قلت لنفسي لو حدثت عندي مشكلة مالية أخرى فماذا أفعل وتذكرت آلة التصوير التي معي وساعة اليد فحمدت الله على السلامة. ارتحت قليلًا في الفندق ورحت في غفوة لا بأس بها شعرت بعدها بالراحة ونظرت إلى الساعة فوجدت أن الليل لا يزال في أوله. فارتديت ملابسي وخرجت أتمشى في شوارع دمشق في تلك الأمسية المنعشة. ومررت أمام ملهى في الهواء الطلق فسألت الحارس الواقف عند الباب عن أجرة الدخول وراجعت (الفكة) التي في جيبي فوجدتها تكفي لشراء بطاقة الدخول ودخلت إلى ذلك الملهى الفسيح الذي انتشرت في فنائه الطاولات والكراسي وجلست على واحدة منها لم تكن بعيدة عن المسرح. وكان الوقت مبكرًا فلم يبدأ العرض المعتاد.

وجاء أحد الخدم (الجرسون) وسألني إذا كنت أرغب في شرب شيء فطلبت منه أن ينتظر حتى أطلب منه ولم أكن أنوي شرب شيء محافظة على القروش الباقية وكنت قد وضعت أمامي أحد علب السجاير الإنجليزية التي اشتريتها من جبل طارق وهي من النوع الذي يحتوي على خمسين سيجارة والظاهر أن شكل العلبة الفخم جعل الخادم يعتقد أن صاحبها صيد ثمين لا بد من الإحاطة به حتى لا يهرب. ورأيته يتجه نحو إحدى الفنانات الجالسات في الجانب الآخر وأظنه أشار إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت