إحداهن التي رأيتها غادرت المكان واتجهت نحو الطاولة التي أجلس عليها وطلبت الجلوس على أحد الكراسي، وكانت شابة جميلة حنطية اللون شعرها لونه كستنائي كثيف مضفور بضفيرتين متدليتين على ظهرها كعادة تلك الأيام في اعتناء النساء والاهتمام بشعورهن الطويلة. وقدمت إليها سيجارة من العلبة التي رفعتها من الطاولة وبدأت تقلبها ثم أعادتها. وأساليب أمثال هذه الفتاة معروفة في مثل هذه الملاهي حيث الشرب على حساب الزبون ثم تأتي قوائم الحساب أضعاف مضاعفة من الأسعار الحقيقية. وتذكرت احتياطي الطوارئ -الكاميرا والساعة- ومن أحاديثها معي عرفت هي أن لا مجال"لاستضافتها"فلم تطل الجلوس وعادت إلى مكانها. وبعد لحظات عاد إلي الخادم وقال إن المدموزيل فلانة عاتبة عليك لأنك لم تضيفها وان كان ولا بد فقدم لها علبة السجاير، وأخذ العلبة وتمشى، وكل هذا وبرنامج السهرة لم يبدأ بعد فقلت في نفسي أرحل يا رجل قبل أن تنقض عليك فنانة ثانية! وهكذا عدت إلى الفندق سالمًا باستثناء علبة السجاير التي كانت بالصدفة أنها آخر علبة.
وعند الصباح غادرت الفندق متجهًا إلى مكتب الشركة حيث كانت الحافلة العملاقة تقف بالقرب من المكتب ووجدت بعض الركاب وقوفًا بالقرب منها انتظارًا للرحيل. وبعد لحظات تحركت باتجاه مركز (أبو الشامات) وهو المركز الرسمي الذي تجري فيه معاملات الجوازات والجمارك للمسافرين الذاهبين إلى بغداد أو القادمين منها. واستلقيت على أحد الكراسي الفخمة المريحة في ذلك الصالون المكيف وفي عزلة تامة عن الغبار والضوضاء وحرارة الشمس عبر تلك الصحاري القاحلة. وقد تكون مثل هذه الأمور عادية ومتيسرة في أيامنا هذه ولكني أتكلم عن أيام 1934 حيث كان التكييف في بداية عهده ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب بل في العالم أجمع. وهنا تظهر مزية الرحلة في تلك الصحاري حيث لا طرق مبلطة بل طبقات من الغبار والأتربة بعضها فوق بعض.
وبعد فترة توقف قصيرة في مركز أبو الشامات واصلت السيارة سفرها متجهة نحو قلعة الرطبة، وكان يتناوب على القيادة اثنان أحدهما بريطاني من أصل اسكتلندي والثاني أرمني. وقد بدأ دور السائق البريطاني مع بداية الرحلة. ومن مزايا هذه الحافلة الفخمة وجود دورة مياه وحنفية لمياه الشرب المبردة وكلها أمور مستحدثة في تلك الأيام. وكانت بعض الكراسي فارغة ولكنها عند العودة تكون أكثر زحامًا بسبب المسافرين الأجانب الأوربيين الذين يشكلون غالبية الركاب في تلك الأيام.
وقبيل المساء وصلنا إلى قلعة الرطبة التي تقع في منتصف الطريق وفيها أول مخفر عراقي للشرطة ومحطة للاسلكي ومطعم صغير يقدم المرطبات وبعض الوجبات الخفيفة، وكان الهواء باردًا منعشًا. كذلك توجد في الرطبة أرض ممهدة لنزول الطائرات للتزود بالوقود. وبعد إتمام المعاملات المطلوبة تحركت الحافلة باتجاه مدينة الرمادي وجاء دور السائق الأرمني لتولي القيادة. أما السائق البريطاني فقد جاء دوره ليرتاح وجلس في أحد المقاعد الخالية القريبة مني ومع مرور الوقت بدأ الحديث يدور بيني وبينه وأخبرته أني قادم من بريطانيا مما زاد في اهتمامه بالحديث معي فأخبرني بأنه يسكن في دمشق وانه متزوج من سيدة سورية. وفي الحديث معه علمت أن NAIRN وهو رجل إنجليزي هو صاحب فكرة تأسيس هذه الشركة وكان ذلك في عام 1925. وتستمر الحافلة في سيرها في ظلام الليل الدامس ويسترخي الركاب في مقاعدهم المريحة وكانت غالبيتهم من