الموظفين البريطانيين في شركات النفط بالمنطقة. وبعد شروق الشمس بقليل وصلنا مدينة الرمادي ولم يدم التوقف فيها طويلًا حيث واصلنا السفر إلى بغداد وعبرنا جسر الفلوجة فوق نهر الفرات ثم توقفت الحافلة أمام مكتب الجوازات والجمارك التابعين لمطار بغداد في منطقة الكرخ على الضفة اليمنى من نهر دجلة، وعلمنا أن الحافلة لا تستطيع العبور إلى الضفة اليسرى (الرصافة) حيث الجزء الأكبر والأهم من مدينة بغداد وذلك لأن الجسر المصنوع فوق القوارب لا يتحمل ثقلها ولذلك اتفقت شركة (نيرن) مع إدارة المطار لإبقاء سياراتها من هذا النوع في حظائر المطار. أما الجسر المشار إليه فقد شيده الإنجليز بعد احتلالهم بغداد خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917 وقد تمت تسميته باسم القائد البريطاني الجنرال مود. وبقي منذ ذلك الوقت حتى أواخر الثلاثينات حيث شيد مكانه جسر ثابت أطلق عليه اسم (جسر الملك فيصل الأول) وحال وصولي بغداد اتصلت بأخي في البصرة وأخبرته بوصولي وطلبت منه تحويل بعض الدراهم لأني كما يقول المثل العامي أصبحت (على الحديدة) .
ووصلت الفلوس ودفعت دين شركة (نيرن) واستلمت منهم الجواز الذي ظل محجوزًا عندهم كما ذكرت مقابل مبلغ قدره دينار ونصف.
وبينما كنت أعد العدة للسفر إلى البصرة ثم الكويت كان يساورني القلق عند لقائي بالأهل والأصدقاء وعندما يمطروني بوابل من الأسئلة منها الغث ومنها السمين لا سيما إذا تطرقت تلك الأسئلة -وهذا منتظر- إلى موضوع المبالغ التي صرفتها وماذا سيكون رد الفعل عندهم إذا قلت لهم أن ساعة التدريب على الطيران تكلف أربع جنيهات إسترليني أو ما يزيد على الخمسين روبية بموجب العملة المتداولة بالكويت في تلك الأيام علما بأن أجرة العامل العادي في العراق أو الكويت لا تزيد على نصف روبية أو ربما أقل من ذلك هذا إذا وجد العمل. ثم أعود إلى نفسي وأقول لا أحد يستطيع منع الناس من الكلام في الناس حقًا أو باطلًا، حضورًا بالوجه أو غيبة.
ثم أقول لماذا القلق وأنا لست محتاجًا لأحد وان ما بقي لدي من حطام الدنيا على قلته يكفي لسد حاجاتي المحدودة حيث لا شيء في هذه الدنيا أمر وأثقل من الحاجة إلى الناس. بهذا التحليل المنطقي عادت الطمأنينة إلى نفسي. وعند وصولي البصرة علمت أن دائرة الميناء باشرت بإنشاء مطار ضخم سيكون من أحدث مطارات الشرق الأوسط وهذا ما أوجد عندي شيء من الأمل حيث لا بد وأن يكون لي مجال للعمل إذا اكتمل هذا المشروع. وكما يقول الشاعر:
منا أن تكن حقًا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا
وبعد إقامة قصيرة في البصرة سافرت إلى الكويت لزيارة الوالدة والأهل والأصدقاء. وقد حصل ما توقعته من سؤال وجواب حتى أن بعضهم لم يصدق أني حصلت على شهادة الطيران على أساس أن هذا النوع من الاختصاص لا يستطيع العرب إتقانه بل أنه حكر على أبناء لندن وأمثالهم! وكما ذكرت فقد كنت مهيأ لتقبل مثل تلك الانتقادات. وبعد إقامة قصيرة في الكويت عدت إلى البصرة