الثالث: من لايدرون ماذا يفعلون بالوقت؟!
قال ابن الجوزي: «وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة، أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر، .... ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر في الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك، فعلمت أن الله لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] » .
والسبب في تفوات أحوال الناس مع الوقت يرجع إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
السبب الأولى: عدم تحديد هدف من الحياة، والواجب على المسلم أن يعلم أن الهدف الذي خلقه الله عز وجل من أجله هو عبادته, كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وليعلم أن هذه الدار دار عمل وليست دار راحة وعبث كما قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] , فالدنيا مزرعة للآخرة إن زرعت فيها خيرا جنيت النعيم المقيم في جنات النعيم, وإن زرعت فيها شرا جنيت العذاب الأليم في ذلك اليوم العظيم.
ولا يتنافى هذا مع التمتع بما أذن الله عز وجل فيه من هذه الدنيا, فقد قال تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77] ، وقال صلى الله