الصفحة 11 من 82

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد:

ضمن دروس (مختارات من كلام ابن القيم) فهذا هو الدرس الثالث من هذه الدروس وهو بعنوان: فوائد محاسبة النفس، فقد ذكر رحمه الله بعض فوائد محاسبة النفس، وقبل ذكر هذه الفوائد مع تعليق خفيف عليها، أذكر مقدمة فأقول مستعينًا بالله مصليًا على رسول الله عليه الصلاة والسلام:

إن محاسبة النفس معناها كما قال الماوردي: أن يتصفح الإنسان في ليلهِ ما صدر في أفعال نهاره، فإن كان محمودًا أمضاه وأتْبَعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل.

وعرفها ابن القيم بقوله: هي التمييز بين ماله وما عليه (يقصد العبد) فيستصحب ماله ويؤدي ما عليه، لأنه مسافرٌ سفرَ من لا يعود.

وقد أمر الله عز وجل بمحاسبة النفس فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) .

قال ابن كثير: أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم (واتقوا الله) تأكيد ثان (إن الله خبير بما تعملون) أي اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يَغيب من أموركم جليل ولا حقير.

وقال تعالى (ولا أقسم بالنفس اللوامة) قال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن المؤمنَ واللهِ لا تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته، يستقصِرُها في كل فعل فيندم ويلوم نفسه، ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ وإن الفاجر ليمضي قدمًا لا يعاتب نفسه.

ويصف الحسن البصري المؤمن بقوله (المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.

ويقول عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) .

نعم، فالنفس - أيها الإخوة - بطبيعتها كثيرة التقلب والتلوث، تؤثر فيها المؤثرات، وتعصف بها الأهواء والأدواء، فتجنح لها وتنقاد إليها، وهي في الأصل تسير بالعبد إلى الشر كما قال تعالى (إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ) ، ولذا فإن لها خطرًا عظيمًا على المرء إذا لم يستوقفها عند حدها، ويلجمها بلجام التقوى، والخوف من الله، ويأطرها على الحق أطرًا.

فلا بد إذن من محاسبة هذه النفس، ومنعها من الشر، ودفعها إلى الخير، فهي الميدان الأول الذي يجب الاهتمام به، فمنها يفلح الإنسان، ومنها يخسر، ولقد أقسم المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم أنه لا فلاح ولا نجاح إلا بتزكية النفس وتطهيرها، ثم بيّن بعد ذلك بأن إهمالها وتركها في المعاصي موجبًا للخسران الذي ما بعده خسران فقال تعالى (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت