الصفحة 12 من 82

ومن هنا: يجب على المسلم أن يحاسب نفسه، ويعاقبها على التفريط، ويعاتبها على التقصير، وكيف لا يحاسب المسلم نفسه وهو يعلم أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وقد قال ابن القيم: وأضر شيء الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنِسَ بها، وعسُرَ عليه فطامها.

وقال الحسن رضي الله عنه: إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة هِمته

وقال ميمون بن مهران: لا يكون العبد تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه.

ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك.

وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، وساعة يخلي فيه بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات وإجمامًا للقلوب.

وقال ابن أبي ملكية: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل!!

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير، بل التفريط والأمن"، هكذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن نفسه وعصره، فماذا نقول نحن عن أنفسنا وعصرنا."

وقال الحسن البصري: إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله.

وقال مالك بن دينار: رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ألزمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدًا.

ولمحاسبة النفس فوائد عظيمة، ذكر ابن القيم رحمه الله بعضها، أذكر بعض هذه الفوائد مع تعليق عليها فقال: في محاسبة النفس عدة مصالح منها:

أولا: الإطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيوب نفسه لم يمكنه إزالتها.

وهذا صحيح، فإن الإنسان إذا عرف نفسه على حقيقتها مقتها في ذات الله، ولم تجنح نفسه للتكبر والغطرسة.

ولاشك أن معرفة العبد لقدر نفسه يورثه تذللًا لله، فلا يُدْلِ بعمله مهما عظُم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغُر.

قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت