الصفحة 14 من 82

وصدق ابن القيم حينما قال: فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العبد، فإن ذلك يورثه مقت نفسه والازدراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل.

حينما ترى يا أخي: أن الله أنعم عليك بالصحة وغيرك - الكثير والكثير - مرضى.

حينما ترى يا أخي: أن الله أنعم عليك بالمال والغنى وغيرك - الكثير الكثير - فقراء.

حينما ترى يا أخي: أن الله أنعم عليك بهذه الجوارح السليمة الجميلة وغيرك - الكثير الكثير - قد فقدها.

حينما ترى يا أخي: أن الله أنعم عليك بالأمن والأمان وغيرك - الكثير الكثير - لا يجدها.

إن الإنسان حينما ينظر إلى نعم الله عليه، يعلم يقينًا أنه سبحانه وتعالى مستحق: أن يذكر فلا ينسى، وأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يشكر فلا يُكفر.

إن الإنسان حينما ينظر في نعم الله عليه، لا يمكن أن يعجب بعمله، ولا أن ينظر إلى عمله بعين الإعجاب والرضا، لأنه مهما فعل، فهو مقصر في حق الله تبارك وتعالى، الذي هو يتقلب في نعم الله ليلًا ونهارًا.

إن الإنسان حينما ينظر إلى نعم الله عليه الكثيرة، يعلم يقيناُ أنه لا نجاة إلا بعفو الله ورحمته.

ولذلك أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عليكم) .

فحث النبي - صلى الله عليه وسلم - على النظر إلى الفقراء إلى المساكين إلى من هم أقل منك، حتى تعرف حقيقة نعمة الله عليك، ولذلك كان بعض السلف يجالس الفقراء والمساكين، حتى يعرف نعمة الله.

وللأسف أكثر الخلق ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم، تجد الكثير منهم إذا أصيب بمصيبة أو لم يجد وظيفة أو غيرها من هذه الأمور، بدأ يشتكي ويصيح ويحاسب ربه (نعوذ بالله) وبعضهم يقول: لماذا فقط أنا، وغيرها من الكلمات، بينما لا ينظر إلى تقصيره، لا ينظر إلى إهماله في الطاعات والأعمال الصالحات، لا ينظر إلى نعم الله عليه من بين كثير من الناس.

وهناك فوائد في محاسبة ذكرها بعض العلماء:

منها: الاستعداد للرحيل.

فإن الإنسان الذي يحاسب نفسه، يعرف أنه منتقل عن الدنيا عن قريب، راحل عنها كما رحل غيره، فإنه يستعد بالأعمال الصالحات، التي تقربه إلى رب الأرض والسماوات، ويجتهد في استغلال أوقاته وعمارتها بكل ما يفيد وينفع في آخرته، ولذلك أوصى - صلى الله عليه وسلم - بذلك بقوله (أكثروا ذكر هاذم اللذات) .

كما قال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ.

وقال تعالى (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) .

فمتى أيقن المسلم بدنو أجله، وقرب انتقاله من هذه الدنيا، أورثه ذلك إيمانًا وعملًا صالحًا.

فإن قال قائل: ما الذي يعين على هذه المراقبة ويساعد عليها؟

فالجواب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت