ضمن دروس (مختارات من كلام ابن القيم) فهذا هو الدرس الثاني من هذه الدروس وهو بعنوان: كيف نحقق الزهد، فقد ذكر رحمه الله بعض الأسباب التي يحقق بها المسلم الزهد، وقبل ذكر هذه الأسباب مع تعليق خفيف عليها، أذكر مقدمة فأقول مستعينًا بالله مصليًا على رسول الله عليه الصلاة والسلام:
الزهد عرفه ابن تيمية بقوله: ترك ما لا ينفع في الآخرة.
إن الزهد في الدنيا شعار الصالحين.
إن الزهد في الدنيا دليل اليقين.
إن الزهد في الدنيا شعار الأنبياء والصالحين.
إن الزهد في الدنيا - أيها الإخوة - منزلة رفيعة، وعلامة عظيمة، دليل على اليقين والإيمان بالله تعالى وبوعده.
ولذلك كان الزهد في هذه الدنيا سبب لمحبة الله تعالى، كما جاء في الحديث عند ابن ماجه عن سهل قال (جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله؟ فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله) .
: لأن الزهد في الدنيا دليل الإنابة والتقوى، ودليل على أن الإنسان عنده رغبة في الجنة، ولو لم يكن في بغض الدنيا و الزهد في الدنيا إلا هذه المنقبة لكفى بها شرفًا وفضلًا.
يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله: من فوائد هذا الحديث:
1 -أن من زهد في الدنيا أحبه الله، لأن الزهد في الدنيا يستلزم الرغبة في الآخرة.
2 -أن الطمع في الدنيا والتعلق بها سبب لبغض الله تبارك وتعالى، وقد قال بعض السلف [مهر الجنة ترك الدنيا] .
فالزهد في الدنيا سبب لمحبة الله، لأن الإنسان لا يزهد في الدنيا حقيقة إلا من أيقن بالجنة، كما سيأتي بعد قليل إن شاء الله.
ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غايةٍ من الإعراض عنها مع تمكنه من التوسع فيها، فقد كان يقول - صلى الله عليه وسلم - (إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، أجلس كما يجلس العبد)
وكان يمر عليه شهران ولا يُوقد في بيوته مصابيح ولا نار لطبخ، وإنما كان طعامهم التمر والماء.
وكان له جيران لهم غنم فيرسلون له من لبنها، وكان يبيت الليالي المتتابعة طاويًا هو وأهله لا يجدون عشاء.
وأيضا أيها الإخوة الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن
قال الحسن: الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن.
وصدق رحمه الله: فإن الزاهد في الدنيا لا ينافس في عزها، ولا يغضب من نقصها، ولا يحسد من أجلها، ولا يهتم لذهابها ولا يركض وراءها.
قال عمرو بن العاص: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، إنه كان أزهد الناس في الدنيا، وأنتم أرغب الناس فيها.
وقال مالك: بلغني أنه ما زهد أحد في الدنيا واتقى إلا نطق بالحكمة.