وقال الفضيل: حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا.
قال علي: من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات.
وقال ابن مسعود: من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، يا قوم فأضروا بالفاني للباقي.
وعنه قال: أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهادًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم كانوا أفضل منكم؟ قيل له: بأي شيء؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم.
وقال الربيع قال لي الشافعي: عليك بالزهد فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على المرأة الناهد.
قال ابن رجب: فالزهد في الدنيا يُراد به تفريغ القلب من الاشتغال بها، ليتفرغ لطلب الله ومعرفته والقرب منه والأنس به والشوق إلى لقائه.
وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - بعض الأسباب - التي تساعد في الزهد:
فقال رحمه الله:
أحدها: علم العبد أنها ظلٌ زائل، وخيالٌ زائر، وأنها كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) .
وصدق رحمه الله: فإن الإنسان لا يمكن أن يزهد في الدنيا حتى يعرف حقيقتها.
فمما يسهل عليك الزهد فيها: علمك يقينًا أنها زائلة فانية، سريعة الزوال والاضمحلال، مليئة بالغصص والأنكاد.
فهي دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، جديدها يبلى، وملكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، وحيها يموت، وخيرها يفوت.
أحلام نومٍ أو كظلٍ زائل ... إن اللبيبَ بمثلها لا يخدع.
فهي إذًا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء.
قال عمر بن عبد العزيز في وصفها:
بقاؤها قليل، وغنيها فقير، وشابها يهرم، وحيها يموت، فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها فالمغرور من اغتر بها، الركون إليها خطر، والثقة بها غرر، كثيرة التغير، سريعة التنكير، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، والمرء منها على خطر، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرا، وإن سرّت يومًا ساءت أشهرًا وأعوامًا، غناها مصيره إلى فقر، وفرحها يؤول إلى ترح، وهيهات هيهات أن يدوم بها قرار.
وكان الإمام أحمد يقول: يا دار، تخربين ويموت سكانُك.
قد نادتِ الدنيا على نفسِها ... لو كان في العالَمِ من يسمعُ
كم واثقٍ بالعمر أفنيتهُ ... وجامعٍ بدَّدْتُ ما يَجمعُ