وهذا من الأسباب المهمة في الزهد في الدنيا، أنه إذا تيقن هذا الكلام، وعلم علمًا مؤكدًا أن زهده لا يمنعه شيئًا من الدنيا، وأن حرصه على الدنيا لا يمكن أن يأتي له بشيء منها إلا ما كتب له، فلو عرف ذلك حقيقة هان عليه الزهد في الدنيا.
فما هو مكتوب لك سيأتيك، زهدت في الدنيا أو لم تزهد، فاطمئن وارتح، فازهد فيها تنل الدنيا والآخرة.
واعلم أن زهدك في الدنيا لا يضيع عليك الدنيا، بل العكس، ربما يزهدك في الدنيا تأتيك الدنيا من توفيق الله تعالى.
وقد قال ابن كثير: من طبع الدنيا الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها.
فكثير من الناس يركضون وراء الدنيا، بل يبيعون أيمانهم ودينهم ولم يحصلوا منها شيئًا، فخسروا الدنيا والآخرة.
وبعض الناس زهد فيها، فجاءته الدنيا، فجمع بين الدنيا والآخرة، كحال بعض العلماء الربانيون الزهاد، فإنهم تركوا الدنيا، فجاءتهم الدنيا من كل صوب وجهة.
فما عند الله أيها الإخوة لا ينال بمعصية الله، إنما ينال بطاعة الله كما في الحديث قال - صلى الله عليه وسلم - (إن روح القدس نفث في روعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته) .
وقد سئل الحسن البصري عن سر زهده؟
فقال الحسن:
علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي.
وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به.
وعلمت أن الله مطلع عليّ فاستحييت أن يراني على معصية.
وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربي.
ثم قال ابن القيم رحمه الله: فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد في الدنيا، وتثبت قدمه في مقامه.
في ختام الدرس: أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في العلم والعمل، وأن تكون الدنيا زادًا لنا في كل خير، وأن لا تكون الدنيا أكبر همنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الاثنين 15/ 4 / 1429هـ
موقع مجلة رياض المتقين
بسم الله الرحمن الرحيم