إن الله تعالى أمر بغض البصر عن المحرمات فقال تعالى (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) .
ذلك أزكى لهم: قال ابن كثير: أي أطهر لقلوبهم وأتقى لدينهم.
فإطلاق البصر سبب لأعظم الفتن، فكم فسد بسبب النظر من عابد، وكم انتكس بسببه من شباب وفتيات كانوا طائعين، وكم وقع بسببه أناس في الزنا والفاحشة والعياذ بالله.
فلهذا الخطر أمر الشرع بغض البصر عن المحرمات.
بل إنه سبحانه وتعالى بدأ بالأمر بغض البصر قبل حفظ الفرج كما قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) - مع أن حفظ الفرج هو الغاية والأساس - والسبب في ذلك أن إطلاق البصر هو السبب في عدم حفظ الفرج، فإن الحوادث مبداها من البصر، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر.
فمن أطلق بصره للمحرمات ورأى وشاهد المحرمات، وقع في الفواحش والمنكرات.
وإذا وقع فيها لم يكن من المفلحين لأن الله تعالى يقول (قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) .
وهذا يتضمن ثلاثة أمور: أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين
ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - لعلي: اصرف بصرَك.
وقال - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد الخدري (إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله! مالنا بد من مجالسنا نتحدث فيها؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: فإن كان لا بد فأعطوا الطريق حقه؟ قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) متفق عليه.
إذًا:
البصر نعمة من نعم الله تعالى التي لا تحصى قال تعالى (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) .
بل هو من أعظم النعم لمن استخدمها في طاعة الله تعالى، وأما إذا استخدمها في غير طاعة الله فالخسارة والخسران عليه.
وقد ذكر ابن القيم فوائد غض البصر.
قال رحمه الله:
أولًا: أنه يورث القلبَ سرورًا وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهره عدوَّه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه.
وهذه فائدة عظيمة، فإن الله شكور كريم، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده، فمن ترك النظر إلى ما حرم الله، عوضه الله؟ لكن بماذا يعوضه، يعوضه بلذة الإيمان؟ بحلاوة الإيمان؟ بانشراح صدره؟