وكما قيل: الجزاء من جنس العمل.
فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله سبحانه وتعالى إطلاق نور بصيرته، فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته.
ثم قال رحمه الله:
سادسا: أنه يورث القلب قوة وشجاعة وثباتًا، فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة.
نعم: فالإنسان الذي يغض بصره يعطيه الله قوة في قلبه، يعينه ويسدده ويحفظه ويعطيه من فضله سبحانه.
ولذلك جاء في الأثر: إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله.
ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما الله به عليم.
قال الحسن: إنهم وإن هملجت بهم البغال وطقطقت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
وقال بعض العلماء: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله.
وكان بعض السلف يقول: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.
لأن من أطاع الله تولاه الله، ومن تولاه الله حفظه ولذلك في الحديث: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك.
وجاء أيضًا في الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم - (قال تعالى: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ... ) .
قال ابن كثير في تفسيره: معنى الحديث: أن العبد إذا أخلص الطاعة، صارت أفعاله كلها لله عز وجل، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، أي ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله، مستعينًا بالله في ذلك كله.
هذه بعض الفوائد التي ذكرها ابن القيم رحمه الله في غض البصر، وهناك فوائد أخرى ذكرها بعض العلماء
منها: أنه يورث محبة الله.
قال الحسن بن مجاهد: غض البصر عن محارم الله يورث حبَّ الله.
ومنها: أنه يورث الحكمة.
قال أبو الحسين الورّاق: من غض بصره عن مُحَرَّم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه، يُهدَى بها سامعوه.
ومنها: أنه يفرغ القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بما ينجيه يوم القيامة.
وقد كان السلف - أيها الإخوة - يحذرون أشد الحذر من النظر المحرم
قال عيسى عليه السلام: النظر يزرع في القلب الشهوة.
وقال ذو النون: النظرات تورث الحسرات.
وقال أحمد: كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلايا.
وقال داود: كانوا يكرهون فضول النظر.