وكان يقول وهو في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير.
فمن عقوبة المعصية: أنها تجعل العبد أسيرًا لهواه، وإذا أصبح أسيرًا لهواه ولشهوته انسدت في وجهه الخيرات، وأقبلت عليه الهموم والأحزان، وضاع عمره ووقته وحياته، وسامه العدو سوء العذاب.
فمن أعظم عقوبات المعاصي أنها تجعل العاصي دائمًا في أسر شيطانه وسجن شهواته، وقيود هواه، فهو أسير مسجون مقيد، ولا أسر أسوأ حالًا من أسيرٍ أسره أعدى عدوٍ له، ولا سجنٍ أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة.
فالعبد كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما قرب من الله بعدت عنه الآفات.
ثم قال رحمه الله:
خامسًا: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه وذلك بسبب نور القلب.
فمتى غض بصره عن الحرام عوضه الله قوة وبصيرة في العلم جزاء على عمله والجزاء من جنس العمل.
فمن أراد العلم فعليه بطاعة الله التي منها أن يغض بصره عما حرم الله.
ولذلك البخاري ماذا يقول: يقول: ما اغتبت أحدًا منذ علمت أن الغيبة حرام.
ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من فور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية.
قال الشافعي:
شكوت إلى وكيعٍِ سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلمَ نورٌ ... ونورُ اللهِ لا يؤتاه عاصي
فليس هناك أفضل من ترك المعاصي للتوفيق للعلم والطاعات من قيام الليل وغيرها من العبادات.
وليس هناك أضر من المعصية في الكسل عن الطاعات.
ولذلك المعصية تضعف القلب في سيرهِ إلى الله بل تَحْرم العبد الطاعة.
ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله، وتقطع طريق طاعة أخرى.
قال بعض السلف: أذنبت ذنبًا فحرمت قيام الليل خمسة أشهر.
وقيل: لا بن مسعود: ما نستطيع قيام الليل؟ قال: أبعدتكم ذنوبكم.
وقال الحسن: إن العبد ليذنب فيحرم به قيام الليل.
وقال الفضيل: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك.
فغض البصر عن الحرام معين على انفتاح أبواب العلم بل يورثه صحة الفراسة فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلب صحت الفراسة.
قال بعض السلف: من عمّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، وأكل من الحلال، لم تخطىء فراسته.