كل الحوادثِ مبداها من النظرِ ... ومعظَمُ النارِ من مستصغرِ الشررِ
كم نظرةٍ فتكتْ في قلب صاحبِها ... فتكَ السهامِ بلا قوس ولا وترِ
والمرءُ ما دام ذا عينٍ يُقَلبُها ... في أعين الغيد موقوف على الخطرِ.
فالنظرة أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان.
ثم قال رحمه الله:
ثالثًا: أنه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح كما أن إطلاق البصر يورث ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه.
فإن للطاعة نورًا كما قال ابن عباس (إن للحسنة ضياءً في الوجه ونورًا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.
ولهذا - والله أعلم - ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) عقيب قوله (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) .
وجاء الحديث مطابقًا لهذا وهو قوله (النظر سهم من سهام إبليس، فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه نورًا) .
رابعًا: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة، فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه.
وهذا صحيح، فإن الذي يطلق بصره يصبح أسيرًا لهواه يتبعه ويقلده حتى يهوي به، ولذلك قيل للهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه.
فالأسير أسير القلب لا أسير الجسد.
فكم من إنسان في السجن هو بطل شجاع حرٌ أبيٌ منشرح القلب، فرح مبسوط بالإيمان والتوحيد وما كتب الله له، وكم من إنسان خارج السجن هو أسير، أسير لشهواته، لهواه، للذاته المحرمة.
فكما قيل: طليق برأي العين وهو أسير.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ثلاث مهلكات وذكر منها: هوىً متبع.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يسجن من سجن إلى آخر لكن ذاق حلاوة الإيمان والطاعة.
فماذا كان يقول في داخل السجن (وهو مأسور) .
كان يقول: المحبوس من حُبِس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. [وهو في داخل السجن] .
وكان يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
وقال ابن القيم: قال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله