الصفحة 38 من 82

فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) .

إذًا: سبب الكسل عن الطاعات و الأعمال الصالحات التي ترضي رب الأرض و السماوات من أسباب ذلك حب الدنيا وتعلق القلب بالدنيا، ومن أسباب الفتور ومن أسباب عجز الإنسان أن يقرأ كتاب الله أو أن يطلب العلم أو أن يجاهد في سبيل الله أن يتكاسل عن هذه العبادات أو عن غيرها هو حب الدنيا ووقوع الدنيا في القلب لذلك قال الله تعالى (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) .

فالدنيا قليلة بالنسبة إلى الآخرة و للأسف أصبحت أحاديث وكلام الناس في المجالس هو عن الدنيا وجمعها وكسبها وزخرفها.

الثالث عشر: عقوبة من كانت الدنيا همه الفقر والهم.

فقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتبه الله له) رواه الترمذي.

هذا عقاب له، لأنه جعل الدنيا هدف يسعى وراءها، ويركض من أجلها، ويحب من أجلها، ويكره من أجلها.

هذا ما ورد في السنة من ذم وتزهيد في الدنيا.

السلف والدنيا:

وننتقل إلى السلف، لنسمع ونعيش مع أقوالهم وأفعالهم وكيف كانوا زهادًا في الدنيا.

قال ابن القيم وهو يتكلم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم: ولهذا نبذها - صلى الله عليه وسلم - وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم وطرحوها ولم يألفوها وهجروها ولم يميلوا إليها، وعدوها سجن لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد [كتاب الفوائد] .

وقال موسى عليه الصلاة والسلام: الدنيا قنطره فاعبروها ولا تعمروها.

وقال عيسى عليه السلام لأصحابه: من ذا الذي يبني على موج البحار دارًا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.

وقال ابن مسعود - في كلمة مهمة فيه الفرق الكبير بيننا وبين السف - يقول: أنتم اليوم أكثر صلاة وعبادة من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكانوا خيرًا منكم، فقيل لما؟ قال كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم.

هذا هو الفرق بيننا وبين السلف: هو الزهد في الدنيا كانوا زهادًا في الدنيا، لو كانت أعمالهم قليلة ولكن قلوبهم متعلقة بالآخرة.

وقال أبو بكر - رضي الله عنه -"إن الله فاتح عليكم دنيا فلا تأخذوا منها إلا ما يبلغكم."

وقد خرج أبو الدرداء على أهل الشام ورآهم في ترف فقال لهم: مالي أراكم تجمعون ما لا تأخذون، وتبنون ما لا تسكنون، وتؤمّلون ما لا تأخذون، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّنتْ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورًا، وأملهم غرورًا، وبيوتهم قبورًا، فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت