ومعنى هذا الكلام كما قال بعض أهل العلم: إن الناس نيام الآن، متى يستيقظون؟ إذا احتضر أحدهم ورأى أن القبر أمامه، وأن الآخرة قد أقبلت، فإنه يندم ويبكي وحينئذ يستيقظ من غفلته، لكن لا ينفعه، فقد فات الفوت.
هذا الإمام الشافعي رحمه الله، قيل له كيف أصبحت يا إمام؟ قال أصبحت من الدنيا راحل.
و اسمع لابن القيم رحمه الله الإمام الزاهد طبيب القلوب يقول في كتابه الفوائد واصفًا الدنيا:
الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، والسير في طلبها كالسير في أرض مسبعة - أي كثيرة السباع - السباحة فيها كالسباحة في غدير التمساح.
وقال الفضيل رحمه الله: طارت فكرتي في هذه الآية: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) .
يقول ابن مسعود: ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف، وماله عرية، فالضيف مرتحل والعارية مردودة.
وزار قوم رابعة فذكروا الدنيا فاقبلوا على ذمها فقالت: اسكتوا عن ذكرها، فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها، ألا إن من أحب من شيءٍ أكثر من ذكره.
قال الحسن البصري: رحم الله أقوامًا كانت الدنيا عندهم وديعة.
وقال ابن عباس: إن الله جعل الدنيا ثلاثة أجزاء: جزء للمؤمن وجزء للمنافق وجزء للكافر، فالمؤمن يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع.
كلام عظيم وجميل: ولذلك النظر في سير العلماء و النبلاء والعظماء من أسباب رقة القلب.
وقال يحي بن معاذ العقلاء ثلاثة: من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه.
وقال عيسى عليه السلام: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله.
هذا بعض كلام السلف في الدنيا رحمهم الله.
وهنا سؤال يرد: كيف نحقق الزهد وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا.
إذًا كيف نزهد بالدنيا؟
أولًا: ذكر الموت و الإكثار من ذكره.
فإنه ما ذكر أحد الموت إلا هانت الدنيا في عينيه، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أكثروا من ذكر هادم اللذات) .
وجاء في رواية (فإنه يزهد في الدنيا) .
ولذلك يقول الحسن البصري (إن الموت فضح الدنيا فلم يترك لذي لبٍ فيها فرحًا.
إن الموت علاج للزهد في الدنيا، أن تزور المقابر، أن تذهب إلى المقبرة وتنظر الآباء و تنظر للرجال والصغار والكبار تنظر أين أبي و أبوك و أين أخي و أخوك؟؟؟ تنظر أين الحكام؟ أين الملوك؟ أين الأغنياء؟ أين الفقراء؟ تنظر إلى من حوَوا الدنيا بأجمعها بماذا ذهبوا بغير الكفن.
كم واثق بالعمر أفنيتُه وجامعٍ بدلت ما يجمعوا