إذًا!! ذكر الموت سبب رئيسي، فحينما تذهب وتنظر إلى مقابر وتطل على ظواهرها، وتتأمل ما في بواطنها، تذهب إلى المقابر وتتذكر أنهم كانوا قبل قليل يمشون على الأرض، وتتذكر أنهم قبل أيام يأكلون معنا ويشربون معنا، ويلعبون معنا، أين هم؟ قد كّبلوا بأعمالهم تحت التراب.
فلا إله إلا الله: كم من أناسٍ تحت التراب ينعمون والناس من حولهم يصيحون.
ولا آله إلا الله: كم من أناس تحت التراب يعذبون والناس من حولهم يضحكون.
ولذلك كان أبو الدرداء كثيرا ما يجلس إلى المقابر، فقيل له في ذلك فقال: أجلس إلى قوم يذكرونني بالآخرة وإذا قمت لا يغتابونني
ثانيًا: أن يعرف حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة.
وهذا معلوم فإن الإنسان لا يمكن أن يزهد في شيء لا يعرف حقيقته، ولكن عندما تعرف الدنيا وحقيقتها، وتعرف أنها حقيرة وزائلة فانية، لو كانت لها قيمة، أو كانت غالية لأعطها الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -.
ولذلك يقول ابن القيم: لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظريين صحيحين:
النظر الأول: النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها وخستها وأَلَم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من الغصص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفكّ من همّ قبل حصولها، وهمّ في حال الظفر بها، وغمّ وحزنٍ بعد فواتها.
النظر الثاني: النظر في الآخرة، وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامِها وبقائِها، وشرفِ ما فيها من الخيرات والمسرات،
والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا، فهي كما قال سبحانه (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه - يعني الدنيا - خيالات ناقصة منقطعة ومضمحلة. [كتاب الفوائد] .
وقال ابن القيم في كتاب طريق الهجرتين مبينًا بعض أسباب تحقيق الزهد:
أحدها: علم العبد بأن الدنيا ظل زائل وخيال زائر. الثاني: علمه أن وراءها دارًا أعظم منها قدرًا وأجل.
فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد في الدنيا وتثبت قدمه.
ثالثًا: الجلوس مع الفقراء والمساكين وتجنب مجالس أهل الغيبة و الأغنياء.
ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - (انظروا إلى من هو أسفل منكم و لا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) رواه مسلم.
ولذلك كان بعض السلف يجالس الفقراء كثيرا والمساكين حتى يشتاق إلى الآخرة
حتى قال عون بن عبدا لله: صحبت الأغنياء فلم أرى أحد أكبر همًا مني، أرى دابة خيرًا من دابتي، وثوب خير من ثوبي، فصحبت الفقراء فاسترحت.
وأخيرًا أيها الإخوة:
تكلمت عن الزهد في الدنيا، ولكن الدنيا مزرعة و المقصود من الدنيا أن تكون نعمة؟ لكن متى تكون نعمة وتكون خيرًا للمسلم: