فأين من يستثمر تلك اللحظات في دعوةٍ صادقة، وتوبةٍ ناصحة، يصلح الله له بها أمر دينه فلا ينثلم، وأمر رزقه فلا ينعدم، وأمر ماله فلا يخيب أبدًا.
فيا أيها الإنسان ما أجهلك؟ وما أعجلك؟ تُؤثر نوم ساعة على نيل راحة خالدة؟
يا أيها الإنسان! ما أظلمك، تعصي ويعرض عليك الغفران فتأبى، فسبحانك ربي ما أرحمك وأحلمك، تبسط يدك بالليل ليتوب مسيء النهار، وتبسط يدك بالنهار ليتوب مسيء الليل.
يا نائم الليل كم ترقدُ ... قم يا صديقي قد دنا الموعدُ
وخذ من الليلِ وأوقاتهِ ... وردًا إذا مل هجعَ الرقدُ
من نام حتى ينقضي ليله ... متى يبلغ المنزل أو يسعد
الحادي عشر: وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - من يقوم الليل بنِعم الرجل.
ففي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا، وفي رواية إن عبد الله رجل صالح لو كان يصلي من الليل) .
فهذه منقبة عظيمة، ومزية جسيمة، ينبغي لكل مؤمن أن يحرص عليها.
قال الحافظ ابن حجر: فمقتضاه أن من كان يصلي من الليل يوصف بكونه نِعم الرجل.
الثاني عشر: قيام الليل من أسباب المغفرة والرحمة.
كما جاء في الحديث عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت، فان أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) رواه أبو داود.
الثالث عشر: من فضل قيام الليل أنه من مظان الإجابة.
عن جابر. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة الا أعطاه وذلك كل ليلة) متفق عليه.
فمن التجأ إلى الله في هذه الساعة قضى حاجته، وفرج كربته، وشرح صدره، وأزال ضيقه وعسره، فاغتنم تلك الساعة واعلم أن الدعاء هو سلاح المؤمن.
أتهزأُ بالدعاءِ وتزدريهِ ... وما تدري ما صنعَ الدعاءُ
سهامُ الليلِ لا تخطىء ولكن ... لها أمدٌ وللأمدِ انقضاءُ
ولما كان - صلى الله عليه وسلم - يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، خرج طلابه وتلاميذه على منهجه عليه الصلاة والسلام، [الصحابة والسلف الصالح] طبقوا هذه العبادة الجليلة في صور ذكرها العلماء، صور عجيبة تدل على حرصهم وقيامهم بهذه العبادة اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
-قالت عائشة (يا عبد الله! لا تدع قيام الليل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى وهو قاعد) متفق عليه.
-وجاء في موطأ الإمام عن ابن عمر قال (كان عمر يصلي في الليل حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله وقرأ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) .
-وقال أبو عثمان النهْدي: تضيفت أبا هريرة سبعة أيام [أي نزلت عليه ضيفًا] فكان هو وزوجه وخادمه يقتسمون الليل أثلاثًا، الزوجة ثلثًا وخادمه ثلثًا وأبو هريرة ثلثًا.
-كان سليمان التيمي عنده زوجتان وكانوا يقتسمون الليل أثلاثًا.