وحيث إن قيام الليل - كما قلت - عبادة جليلة، وقربة عظيمة، لا ينالها إلا من جاهد نفسه فأصلحها، ودافع دنياه فودعها، ودحر شيطانه فغلبه، وردع هواه فجانبه، ينبغي عليه أن يعمل بالأسباب التي تعين على قيام الليل، وقد ذكر علماؤنا - رحمهم الله أسباب كثيرة تعين على قيام الليل أذكر بعضًا منها:
أولها: ترك الذنوب والمعاصي.
فإن الذنوب والمعاصي حاجب بين العبد وبين ربه.
قال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك.
وذكر عن الحسن أن قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.
وقال سفيان الثوري: حرمت قيام الليل بذنب أحدثته منذ خمسة أشهر.
وحينما اشتكى شاب إلى الحسن عدم قدرته على القيام بالليل قال له الحسن: قيدتك خطاياك.
وقال بشر بن الحارث: لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات سدًا.
وقيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل، فقال: أقعدتكم ذنوبكم.
فالذنوب والمعاصي حاجب بين الإنسان وبين ربه، وخاصة هذه العبادة التي لا يوفق لها إلا القليل.
وثانيها: من الأسباب التي تعين على قيام الليل قلة الأكل.
لأن الشّبَع مذموم، فهو يكسل عن العبادة، فعلى العبد أن لا يكثر الأكل والشرب حتى لا يغلبه النوم ويثقل عليه القيام.
ولذلك قيل: لا تأكل كثيرًا، فتشرب كثيرًا، فتنام كثيرًا، فتتحسر كثيرًا؟
وقد جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع في الآخرة) .
قال عمر: إياكم والبطنة، فإنها ثقل في الحياة ونتن في الممات.
وقال لقمان لابنه: يا بني! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.
وقال أبو سليمان الداراني: من شبع دخل عليه ست آفات: فقْد حلاوة المناجاة، وتعذر عليه حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلْق، لأنه إذا شبع ظن الخلق كلهم شباعًا، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات.
وقال محمد بن واسع: من قلّ طُعْمه فهِم وأفْهم وصفَى ورقّ.
وقال عمرو بن قيس: إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب.
وقال الحسن البصري: كانت بلية أبيكم آدم أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة.
وقد قيل: إذا أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل.
وقال إبراهيم بن أدهم: من ضبط بطنه ضبط دينه.
وثالثها: ومن أسباب قيام الليل دعاء الله تبارك وتعالى أن يوفقك لهذه العبادة.
فالتوفيق لقيام الليل هبة ربانية، وعطية رحمانية، يمنّ الله بها على من كان مستحقًا لها من عباده، ومؤهلًا للخلوة به سبحانه ومناجاته، فالجأ إلى ربك ومولاك، وانطرح بين يديه، وتوجه بقلبك وقالبك إليه، واعتمد وتوكل عليه، واسأله وهو العزيز القهار، المهيمن الجبار، بلسان الذل والافتقار، أن يوفقك لقيام الأسحار، وأن يمن عليك فيها بالدموع والخشوع والانكسار، وأن يحشرك مع الأبرار.
وقد أمرنا الله عز وجل بدعائه في كل وقت وفي كل حين فقال (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) .
وأرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإكثار من الدعاء والتضرع إليه، فقال - صلى الله عليه وسلم - (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل) .