الصفحة 53 من 82

فعليكم عباد الله بالدعاء، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - (إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين) .

ولذلك يقول ابن القيم: وما أُتيَ من أتيَ [يعني هلك من هلك] إلا من قِبل إضاعة الشكر، وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء.

كان أحد العلماء يقول في سجوده: اللهم اشفني من النوم باليسير.

فيا أخي المسلم: بادر واخضع وانكسر بين يدي الله عز وجل أن يوفقك وأن يجعلك من المخلصين في القيام بهذه العبادة التي نرى أن القليل من يقوم بها، لأن القيام بهذه العبادة توفيق ومنّة من الله عز وجل، ورحمة من الله، فتضرع واجتهد وادع الله عز وجل أن يعينك وأن يوفقك مع فعل الأسباب التي تعين على ذلك.

ورابعها: ومن الأسباب أكل الحلال والابتعاد عن الحرام.

يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) .

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: يأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدلّ هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهما أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولًا وعملًا ودلالة ونصحًا.

فإذًا الحلال معين على الطاعة.

ومما يدل أيضًا على أن أكل الحرام يمنع من العمل الصالح الحديث المشهور عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ... ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) رواه مسلم.

فالدعاء عبادة وطاعة، فحُرِمها الإنسان لأكلهِ الحرام، فأكل الحرام مانع من الطاعة، وأكل الحلال معين في أن يتربى هذا الجسم على الطيب.

وخامسها: ومن الأسباب التي تعين على قيام الليل سلامة القلب من الغل والحسد والبغضاء.

فإن أمراض القلوب من الغل والحسد لا يُوفق صاحبها للخير، لأنها أمراض خطيرة، فينبغي على المسلم أن يجتهد أن يكون قلبه طاهرًا سليمًا حتى يوفق للطاعات.

قال - صلى الله عليه وسلم - (ألا أخبركم بخير الناس؟ كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه؟ فما مخموم القلب: قال: الذي لا غل ولا حسد ولا بغي) .

وسادسها: ومن الأسباب قصر الأمل.

على الإنسان أن يكون أمله قصيرًا، وقصر الأمل العلم بقرب الرحيل، وأنه في أي لحظة من اللحظات سوف يرحل من هذه الدنيا، وهو أحسن علاج للقلب، وهو أحسن علاج للنشاط في الطاعة، فمتى علم الإنسان أنه لا يدري متى يفجأه الموت ومتى يزوره ملك الموت، ربما الآن، ربما بعد لحظات، فإن ذلك منشط ومقوٍ له للطاعة والعبادة، ولذلك حذرنا علي من طول الأمل فقال: أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، طول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق.

(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) .

(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ. قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت