الصفحة 139 من 227

لقد جاء الإسلام إلى أقاليم منتثرًا عقدها، فنظمها وطنًا واحدًا، وإلى شعوب ممزقة مضللة فجعلها أمة ملتقية على الهدى. أمة واحدة في ظاهر أمرها وباطنه. وأصبحت هذه الأمة الكبيرة، وقد رضيت الله ربًّا، والإسلام دينًا، ومحمدًا نبيًّا ورسولًا. الروح الذي تنبعث عنه واحد. والأمل الذي يحدوها واحد. والتاريخ الذي يصور ماضيها واحد. والمنهج الذي يحدو حاضرها واحد. والهدف الذي تنطلق إليه واحد. فجاءت الشعوبية تنثر هذا العقد المنظوم، وتجزئ هذه الكتلة الملتحمة. وتغري كل جزء أن يحيا منفصلًا عن أخيه كارهًا له، يلتمس تاريخه وحده، ويشق مستقبله بعيدًا عن روابط الاعتقاد والتشريع والخلق والأدب. وهذا قضاء على الإسلام ورسالته، وإن بدا هذا القضاء متدرجًا، ينأى كل شعب بنفسه أولًا على أن الإسلام شطر حياته الخاصة، ثم تنتهي هذه العزلة بإقصاء الإسلام نفسه، على أنه لا صلة له بقومية، ولا مكان له في كيان الشعب المستقبل إلا مكان القشور والنوافل. والشعوبية القديمة، أزرت على العرب، ثم شغبت على الإسلام، وتحولت بيئاتها إلى مهارب للزنادقة ومآوٍ للفسقة، وحصونًا لمن يريدون إحياء المجوسية، والمانوية، والمزدكية، وغيرها من النحل القذرة. والشعوبية الحديثة زادت على ذلك أشياء أخرى. لقد تحولت من بغضاء للعرب إلى بغض للغة والدين جميعًا . وأمست شاراتها المميزة الجهر بإبعاد الشريعة الإسلامية، وازدراء اللغة العربية، ص _146

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت