فهرس الكتاب
أخرى، وكتب الأئمة والعلماء في ذلك أسفارًا ضخمة، ووصلوا إلى مبادئ قانونية، وقواعد بالغة الدقة. ويمتاز المسلمون بأن عامتهم وخاصتهم يتدارسون ألوان التشريع في المساجد والمدارس على أنها دين واحد. والعبادات والمعاملات فيه سواء. فرجل الشارع في المدينة أو الفلاح في القرية يقصد إلى المسجد ليسمع كلامًا في أحكام الصيام، وكلامًا في أحكام البيوع والإيجارات، على أن هذه وتلك تعاليم الإسلام التي لابد من فقهها والعمل بها. إن الإسلام جعل الأمة كلها أمة نظر قانوني، لا أمة خيال وتوهم. والأوروبيون يذكرون أسلافهم الرومان على أنهم رجالات القانون وجهابذته، ولعمري إن الرومان ما بلغوا في هذا معشار العرب. ولكن القوم يتعصبون لأسلافهم ويحتفلون بالتافه من تراثهم. أما نحن فالتركة العقلية الرائعة لأئمتنا العظام رمى"هولاكو"بعضًا منها في الفرات ليصنع جسرًا تعبر عليه جيوشه. ورمى الصليبيون بعضًا ثانيًا في غرب البحر المتوسط، ونقل عقلاؤهم ألوف الكتب إلى عواصمهم، وكنزنا نحن بعضًا في دور الكتب فيه المخطوط وغير المخطوط.. وحسب!!. وما تتداوله الأيدي في ميدان الدراسة شيء محدود، ولعله ليس أفضل الموجود. ويمتاز التشريع الإسلامي بطابعه الديني الجليل. إنه يرعى المصلحة كأدق القوانين المدنية، ثم هو إلى جانب ذلك وثيق العرى ببواعث الإيمان وأمثلته العالية. إنه في ميدان الحياة العملية قسيم للعقيدة وما تلده العقيدة من أخلاق وتقاليد. كذلك القانون عندنا، إنه يسير بين خطين ثابتين من رعاية الله وتحري رضاه، كما ينطلق النهر بين شاطئيه لا يطغى ولا يزيغ . ويطول بنا المقام لو ضربنا الأمثلة، وعرضنا نماذج من اجتهاد الفقهاء وفق نصوص الدين وقواعده العامة . ص _181