الصفحة 185 من 227

و"الروس"، وقد كان العالم الإسلامي إبان ازدهاره هو السبب الأول والأخير في إنهاض الغرب، وتحريك ملكاته الجامدة. فهل الانهزام البعيد المدى الذي أصابنا يمحو فضلنا محوًا، ويجعلنا غرباء في ميدان المعرفة والثقافة؟ إن الدعاية الكذوب تريد إفهامنا ذلك. والاستعمار الحقود يبغي أن ينشأ مسلمو هذا العصر وهم فاهمون أن كفتهم طائشة من الأزل إلى الأبد، وأن العرب جنس تافه، ما قدم للإنسانية خيرًا منذ وجد إلى الآن، وبالتالي لن يقدم للإنسانية خيرًا، أي أنه لا يستحق الحياة. كتب الأستاذ العقاد رسالة عظيمة في فضل الثقافة العربية وسبقها على ثقافة اليهود واليونان جميعًا، وألقى فيضًا من الأشعة على هذه الحقيقة التي تتضافر القوى المضللة على نكرانها وقال: فيحق العجب ممن يجهل هذه الحقيقة التاريخية المسجلة بالكتابة منذ ألوف السنين، بل بالحروف التي سبقت الكتابة والكتاب. إلا أن الإشاعة الموهومة كثيرًا ما تطغى على الحقيقة المسجلة، ولا سيما الإشاعة التي تحتمي بالصولة الحاضرة وتملأ الآفاق بالشهرة المترددة. وقد أشاع الأوروبيون في عصر ثقافتهم وسلطانهم أن أسلافهم اليونان سبقوا الأمم إلى العلم والحكمة. واختلط على الأوروبيين كما اختلط على غيرهم قدم"التوراة"بالنسبة إلى"الإنجيل"و"القرآن"، وقدم"الإسرائيليين"بالنسبة إلى"المسيحيين"و"المسلمين". فتوهموا أن"العبرانيين"سبقوا العرب إلى الدين والثقافة الدينية، وكتابهم نفسه صريح في حداثة إسرائيل وحداثة"إبراهيم"من قبله بالنسبة إلى أبناء البلاد العربية. وليس أعجب من الجهل بالحقيقة التي تظهر هذا الظهور. ليس أعجب من هذا الجهل إلا أن تكون الأوهام المشاعة بهذه القوة عند أقوى الأمم وعند أشهرها بالعلم والثقافة . ص _193

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت