فهرس الكتاب
إنها بلغت على أيديهم أن تكون فتحًا في عالم الروح، ولم تكن فتحًا في عالم المال وكفى، إذ أصبح في تلك البقاع قرابة مائتين من الملايين من المسلمين لم يعرفوا دينهم من غير أولئك التجار الناجحين. هذه الوقائع تصحيح بين لدعوى العصبيات الجنسية يرشد العقل البشري إلى الصواب في مسألة من أخطر المسائل العالمية، ذات الأثر المتشعب إلى كل زاوية من زوايا العالم، وكل علاقة من علاقات بني الإنسان. نعم. دفاع عن العرب أو تبرئة لهم من أقاويل دعاة العصبية المستعمرين والشعوبيين والمرددين لأصداء الغابر المهجور. والرأي الجلي في هذه الدعاوى العصبية إذن أنها من قبيل"الإشاعات"التي تروجها المصالح إلى حين. ويؤسفنا أن نصارح بأن التعصب المسيحي الذميم من وراء هذا الإنكار المستغرب لدور العرب في بناء الحضارة الإنسانية، ونصيبهم الضخم في إعلاء شأنها. وقد ألف العلامة"غوستاف لوبون"كتابًا قيمًا عن حضارة العرب، نوه فيه بما أسدوه للغرب من أياد لا يسوغ جحدها قال فيه: ولقد قال"بارتلمي سان هيلير"- وهو من العلماء المتدينين- في كتابه في القرآن: تدمثت نفوس قساة الطباع من سادة القرون الوسطى، بملابستهم العرب وتمازجهم بهم، وعرف الفرسان بدون أن يفقدوا شيئًا من شجاعتهم شعورًا أرق وأشرف وأعرق في الإنسانية من شعورهم، ومن المشكوك فيه أن تكون النصرانية وحدها- على ما حملت من المنافع - هي التي ألقت في روعهم ما ألقت .. بعد هذا النظر، ربما تساءل القارئ: ولماذا غمط اليوم حق العرب وتأثيرهم، وأنكر حسناتهم علماء عرفوا باستقلال أفكارهم، وكانوا بحسب الظاهر بمعزل عن الأوهام الدينية؟. وهذا السؤال قد سألته نفسي: وأرى أن لا جواب عليه غير ما أنا كاتب، ذلك أن استقلال آرائنا هو في الواقع صوري أكثر مما هو حقيقي، ونحن لسنا أحرارًا على ما نريد في خوض بعض الموضوعات، وهذا لأن فينا أحد رجلين: ص _197