فهرس الكتاب
الرجل الحديث الذي صاغته دروس التهذيب، وعملت البيئة الأدبية والمعنوية في تنشئته. والرجل القديم المجبول على الفكر بخميرة الأجداد، وبروح لا يعرف قراره يتألف من ماض طويل، وهذا الروح اللاشعوري هو وحده الذي ينطق في معظم الرجال، ويبدو في أنفسهم بمظاهر مختلفة، يؤيد فيهم المعتقدات التي اعتقدوها، ويملي عليهم آراءهم، وتظهر هذه الآراء بالغة حدًّا عظيمًا من الحرية في الظاهر فتحترم."لا جرم أن أشياع"محمد"كانوا خلال قرون طويلة من أخوف الأعداء الذين عرفتهم أوروبا، فكانوا بتهديدهم الغرب بسلاحهم في عهد"شارل مارتيل"، وفي الحروب الصليبية، وبعد استيلائهم على"الآستانة"يذلوننا بمدنيتهم السامية الساحقة، وإلى أمس الدابر لم ننج من تأثيراتهم. ولقد تراكمت الأوهام الموروثة المتسلطة علينا، والنقمة على الإسلام وأشياعه عدة قرون، حتى أصبحت جزءًا من نظامنا. وكانت هذه الأوهام طبيعة متأصلة فينا، كالبغض الدوي المستتر أبدًا في أعماق قلوب النصارى لليهود."وإذا أضفنا إلى أوهامنا المورثة في إنكار فضل المسلمين، هذا الوهم الموروث أيضًا النامي في كل جيل، بفعل تربيتنا المدرسية الممقوتة، ودعوانا أن جميع العلوم والآداب الماضية أتيتا من اليونان واللاتين فقط، ندرك على أيسر سبيل أن تأثير العرب البليغ في تاريخ مدنية أوروبا قد عم تجاهله. ويرى بعض أرباب الأفكار أن من المذل على الدوام الذهاب إلى أن أوروبا النصرانية، مدينة لأعداء دينها بخروجها من ظلمة التوحش. وهناك أمر يحمل في مطاويه ذلًا كثيرًا في الظاهر لا يقبل تحمله إلا بشيء من العنت. وذلك أنه كان للمدنية الإسلامية تأثير عظيم في العالم، وتم لها هذا التأثير بفضل العرب، بل بصنع العناصر المختلفة التي دانت بالإسلام. وبنفوذهم الأدبي هذبوا الشعوب البربرية التي قضت على الإمبراطورية الرومانية. وبتأثيرهم فتحوا لأوروبا عوالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية، وهذا ما كانت