الصفحة 201 من 227

إن توريث إمارة المؤمنين الذي ابتدعه معاوية مقلدًا لمجوسية الفارسية، والصليبية الرومانية كانت بداية الشرر الذي تحول على مر الليالي حريقًا مستعرة دمرت الأخضر واليابس في الحضارة الإسلامية المظلومة. والخلل السياسي الذي ولد على جسم الأمة"رأسًا"من هذا الطراز سرت عدواه إلى الشبكة الإدارية التي تعاونه في العمل. فأهمل ميزان الكفاية، وأمسى اختيار الأعوان منظورًا فيه إلى مرشحات كثيرة. وربما كانت المهارة والمقدرة آخر المسوغات التي تقدم أصحابها لما يستحقون .. بدأت الأطماع الشاذة تضطرم في هذا الجو. وظاهر من ملاحظة تاريخنا السياسي أن الفساد استشرى بعد مدة من ميلاد هذا النظام الوراثي. وذلك أن الجبابرة الذين قضوا على سنة البيعة في اختيار أمير المؤمنين، سوغوا بقاءهم في نظر العامة والخاصة باحتضان المثل العليا للجماعة والحماس في خدمتها، فسيروا ألوية الجهاد شرقًا وغربًا، وتظاهروا بكل ما يعطي بقاءهم صفة مشروع. إلا أن هذه السيرة موقوتة معلولة، وسرعان ما تنتهي بعد استقرار الأمور للبيت الحاكم بأمره، وعندئذ تنكشف السرائر على ما بها من دخل، فلا يعني هؤلاء الحاكمون إلا بامتيازاتهم الخاصة. ولا يكون الحكم إلا استدرارًا للمنافع وافتياتًا على الجماهير، واضطهادًا للأمة والعلماء. انظر أحد طلاب الحكم يقول: إذا لم تكن لي في الولاية بسطة يطول بها باعي وتسطو بها يدي فلا كان لي حكم مطاع أجيزه فأرغم أعدائي وأكبت حسدي ـ عجبًا، أهذه وظيفة الحاكم؟ أم هي جنون السيطرة ؟ أهذه مصالح الرعية، أم هي رغبة الانتفاخ والانتفاش؟ ثم انظر كم ترى البون بعيدًا بين هذا السعار في طلب الإمارة وبين تجنيب عمر ولده ولاية الأمر من بعده مشفقًا أن يكون في آل الخطاب أكثر من واحد يسأل عن شئون المسلمين؟. ص _209

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت