فهرس الكتاب
4-أسباب سياسية: إذا كان انهيار الحضارة العربية يرجع إلى ما ذكرنا من أدواء فكرية وخلقية واجتماعية؛ فإن هذه كلها تعد عوامل محدودة الشر بالنسبة إلى الفساد السياسي الذي صدع بناء هذه الحضارة كما يصدع الزلزال دعائم القصر الأشم. كان هذا الفساد أسرع شيء إلى حضارتنا، بل كان الكهف الذي آوى جراثيم المفاسد الأخرى، وتركها تنهش باطنها وظاهرها، وتصارع أسباب الصحة والنماء لتعجل بحتف هذه الحضارة العظيمة. وبدأ هذا بجذع الحكم، وأصله الأول، أعني: الخلافة، فالمفروض عقلًا ونقلًا أن يختار المسلمون خليفتهم من بين أعظم الكفايات فيهم، إلا أن سطوة العصبيات وغلبة الشهوات هدمتا هذه القاعدة فإذا الخلافة ميراث شخص يتركه والد لولده. و لو أن الخلافة نوع من السلطات يشبه الملك الزمني لأمكن مع الترخيص والإغماض أن يفهم هذا الوضع، وأن يحاط بالضمانات التي تسدده. لكن الخلافة نيابة عن رسول الله في مصالح الدين والدنيا، أي أنها زعامة روحية وعقلية ومدنية وعسكرية، فكيف يمرق مخلوق من بطن أمه ليتلقفها وهو يبول في مهده، وكيف تكون الخلافة حكرًا في بيت من البيوت يموت ربه فينالها من بعد ابنه؟؟ إن الذين يركبون أي سيارة في مدينة القاهرة ما يطمئنون إلى الجلوس فيها والانطلاق بها إلا إذا كانوا على ثقة من أن السائق يحسن القيادة. فإذا كنا لا نعطي رخصة القيادة إلا رجلًا مدربًا كي نأمنه على مصير عدد من الناس قليل، فبأي منطق يملك رجل من الناس قياد أمة هائلة، لا لشيء إلا لأنه ابن فلان! وما فلان هذا الآخر؟ إنه مثل الأول، شخص لو اشتغل بمواهبه قد يصلح حمالًا أو ممثلًا، أو بقالًا أو إسكافيًّا، لكنه لا يصلح لشيء من مهام الحكم. ولو صلح بمحض الصدفة، فليس يصلح للخلافة عن رسول الله. لكن هذا الهزل هو الذي ساد بلاد الإسلام دهرًا، بعد أن طويت أعلام الخلافة الراشدة، وقضى عليها معاوية بن أبي سفيان . ص _208