فهرس الكتاب
(د) وبديهي أن يعرف المجتمع الإسلامي الغني والفقير، وأن يعاني في تاريخه الطويل هزات أسيفة مرجعها الخلل الاقتصادي. خصوصًا إذا شاع الترف في طبقات أسعفتها الحظوظ، إن ذلك مستتبع حتمًا الشظف في طبقات أخرى. ولولا أن العقيدة الإسلامية تقيم كيانها على المواساة والبذل، وتكلف المؤمن مع إيمانه بالله أن يعين الفقير لكان المجتمع الإسلامي قد تحول إلى الشيوعية من قديم. إن طبيعة الدين الذي ساد هذه البلاد جعلت الأفراد الواجدين، ومستوري الحال، يرون لزامًا عليهم مساعدة غيرهم، كما أن أولي الثروة والجاه كانوا يرون من تمام وجاهتهم بذل الفضول لقصادهم، ومن ثم نجت البلاد الإسلامية من نزق الثورات المتطرفة، ومن الإلحاد المسلح الذي عرفته أوروبا وغيرها. إلا أن المأخوذ على الحضارة الإسلامية أنها لم تحكم نظام الزكاة إلى اليوم ولم تتبع ثغرات الجماعة بالاستقراء الشامل لتسدها، سواء إتاحة العمل للقادرين أم بإتاحة الأعطية للقاعدين. (هـ) وعرف المسلمون التجمعات الفكرية والعبادية والجهادية، وإن كانت لم تأخذ شكل الأحزاب السياسية المعهودة اليوم في البلاد الديمقراطية. وفي مطلع القرن الرابع عشر للهجرة كانت جماهير المسلمين منتظمة تقريبًا في الطرق الصوفية، وهي طرق أضرت كثيرًا ونفعت قليلًا . ومن المهم أن تتاح للأعم فرص التجمع الحر، على أن يكون هذا التجمع محكومًا بمنطق العقل والمصلحة، وعلى أن يبتعد عن دواعي التعصب والتعسف، وعلى أن يدخل في إطار الوحدة الدقيقة للأمة. والمؤسف أن الأمة الإسلامية تحولت فيها هذه التجمعات إلى كتل متنافرة متناكرة، وأنها لم تستهدف المصلحة العليا بل غلبت عليها النزعات الخاصة. وقد شاهدنا- ونحن غلمان- المساجد الكبرى تقام فيها عدة جماعات للصلاة الواحدة في الوقت الواحد تبعًا لاختلاف الفقه المذهبي !! وهذا منكر قبيح. ومن المآخذ علينا: إقرار هذه الفرقة . ص _207