الصفحة 198 من 227

ولا يزال ناس من البدو في بلادنا يستعلون على الفلاحين، ويرفضون الإصهار إليهم، وربما قتلوا بنتهم إذا رضيت بالزواج من قروي كادح. والتفاوت بين البشر حقيقة لا ريب فيها. لكن هذا التفاوت لا يورث في سلاسل من الأعقاب لا نهاية لها، حتى يقال بيت فلان وبيت فلان. فرب مغموص الشأن ولد الملوك. ورب مملك على مفرقه التاج رزق من الخلال ما يجعل السوقة أكرم منه وأرقى. وكان خيرًا لأمتنا أن تحذف أشجار النسب التي يحتفظ بها البعض، وأن تحترم مقياسًا واحدًا للأصالة والوضاعة هو المقياس الذي أثبته القرآن ولم يثبت غيره. (ب) لم يعرف المجتمع الإسلامي الرهبانية، ولم يقم على الكبت الجنسي ولا الحرمان المادي. وليس ذلك لأنه- من الناحية الجنسية مثلًا- أباح الاختلاط الفاجر المأنوس في الغرب، كلا، فالمجتمع الإسلامي- من ناحية مثله العليا لا يعرف هذا الاختلاط اللعين، ولا يقر ما ينتهي إليه من انحلال عام. ومن الناحية العملية آثر أغلب المسلمين التطرف في حجب كلا الجنسين عن الآخر، وجاروا على تعاليم الإسلام وحقوق المرأة. إلا أنهم مع ذلك كانوا عمليين في فهم الطبيعة الجنسية فجعلوا الزواج المبكر حلًا سريعًا لمشكلتها ويسروا التعدد الذي بلغ بهذه الغريزة حد الإشباع. وذلك عكس الحاضر الإسلامي الذي لم ييسر الحلال كما فعل الأولون ولم يقبل الحرام بطبيعة مواريثه الروحية فنشأت الأجيال الجديدة نشأة معقدة كئيبة. وكما فعل المسلمون الأوائل في إجابة الغريزة الجنسية مشوا مع منطق الإسلام في استباحة الطيبات، فعرفوا ألوان الطعام ورصعوا موائدهم بالكثير منه. والمأخوذ على الأمة الإسلامية في هذا الجانب المادي أنها لم تلزم الاعتدال الذي وقفها الشارع عنده، بل تجاوزته إلى السرف والترف، مما أثر في وفائها لرسالتها الكبيرة . ص _206

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت