فهرس الكتاب
إن هذا الوطن عربي يقينًا، فإن كان أهله عربًا بالدم الموروث أو مستعربين باللسان والشعور؛ فالأمر في نظرنا سواء.. لكن الذي نثبته هنا، ونكرره مثنى وثلاث: أن الهجرات القديمة التي حملت العرب من جزيرتهم إلى ما حولها وما بعدها- إن صحت- فالبون بعيد جدًّا بينها وبين الفتح الإسلامي الأخير. ذلك أن الهجرات الأولى كانت طلبًا للقوت، وسعيًا وراء الرزق فهي نشاط إنساني عادي تقوم به ضروب الأحياء إجابة لغرائزها. أما الانطلاقة العربية الحديثة فهي سير رسالة سماوية يحدوها نداء إلهي. ولولا هذه الرسالة لقبع العرب في دورهم ما يصنعون شيئًا. ولو أنهم تحركوا من غير هذه الرسالة الإسلامية لتلاشت زحوفهم أمام ضربات العصي من الروم والفرس. ولا نقول أمام ضربات السيوف؛ فإن أمرهم سيكون أهون من ذلك. إن الزعم بأن خروج العرب بالإسلام من صحرائهم حركة تشبه حركاتهم القديمة في ترك الصحراء الجديبة إلى الوديان الخصيبة هو زعم صبياني لا يصح أن يذكر في مجال البحث العلمي، وإن ذكره نفر من المبشرين والمستشرقين. ومع ذلك فنحن كما قلنا لا ننكر أن نكون قبائل عربية كثيرة نزحت من مضاربها في الصحراء إلى بلاد أخرى، حيث فضلت البقاء على العودة. والعرب شعب رحال، وهو أجدر بالضرب في فجاج الأرض من الإنكليز الذين استطاعوا في عصرنا هذا أن يعمروا قارة تبعد عن وطنهم ألوفًا مؤلفة من الأجيال. ولندع هذا الاستعراض النظري إلى واقع الحياة. فوطن العروبة اليوم قد وطأ الإسلام أكنافه، ووسع حدوده، وجعله يربو أضعافًا مضاعفة على الوطن الأم في صحراء الجزيرة، وجعل كل شبر فيه مسئولًا عن الرسالة التي قام بها وعاش لها. ذلك... وعنايتنا بالوطن العربي الكبير لا تنتقص ذرة من عنايتنا بالوطن الإسلامي الأكبر . ص _039