فهرس الكتاب
هذه الرسالة التي حملها العرب أفاءت عليهم من الأمجاد والآلاء ما لا يحصيه عدد! وهنا مبحث آخر، هل كان للعرب حضارة قبل الإسلام تنافس الحضارات الأخرى وتذكر معها في ميدان الفخر والتكريم؟ إن العروبيين يزعمون ذلك، ويقولون إن الجنس العربي قبل الإسلام له مدنية عريقة، بل هو من غير الإسلام له رسالة خالدة. والحق أن هذا كلام مستغرب، ولا يسمع المرء حين يسمعه إلا أن يحملق دهشة، ويبتسم ساخرًا! على أننا سنغالب شعور العجب والهزء، ونتأمل في أطواء هذا الكلام لنخرج خبأه. أين هي مدنية العرب قبل الإسلام! يجيب الدكتور عبد الرحمن البزاز ومن على شاكلته من القوميين: هذه حضارة لفراعنة، وقرطاجنة في إفريقيا وبابل وآشور في آسيا. وبديهي أن هذه الإجابة تتلاشى من تلقاء نفسها عند من يؤكدون أن الفراعنة وأهل قرطاجنة ليسوا عربًا، وكذلك سكان بابل وآشور. ويبقى العرب بعد ذلك بلا حضارة، إلا ما تنسبه إليهم الدعوى المجردة.. لكن الذين يطلقون كلمة عرب على الجنس السامي كله يصرون على أن هذه الفئات كلها عرب، واليهود على هذا الزعم عرب طبعًا، وبذلك يكون للجنس العربي تاريخ عريق ومجد مؤثل، ولسنا نستكثر على أمة ما أن تكون لها سابقة مدنية. بيد أننا نتساءل: كيف تكون حضارة الفراعنة مثلًا عربية! إنهم يقولون: هاجر العرب من جزيرتهم إلى وادي النيل، وأنشئوا تلك الحضارة. ونقول: أكان المصريون القدماء في مكانة الهنود الحمر، وكان العرب المهاجرون في مكانة الأوروبيين النازحين إلى أمريكا. إن المدنية الأمريكية لا تنسب بداهة إلى الهنود الذين كانوا يسكنون أمريكا قبل اكتشافها؛ لأنها من صنع الفاتحين وحدهم . ص _046