الصفحة 66 من 227

وقامت للإسلام دولة عزيزة الجانب، واضحة الدعوة، مأنوسة الرسالة، يدرك الأدنى والأقصى ما تريده وما تقوم عليه. وفي الماضي كان السائحون في أنحاء الاتحاد"السوفيتي"مثلًا يرون تطبيقًا عمليًّا للنظام الشيوعي القائم على ملكية الدولة للأرض ووسائل الإنتاج. وإذا كان السائحون في الولايات المتحدة مثلًا يرون تطبيقًا عمليًّا لحرية الفرد في التملك والتكسب والاعتقاد. فإن أرجاء الدولة الإسلامية الأولى كانت مظهرًا للإسلام من حيث أنه عقيدة ونظام، ويستطيع أي جوال في جنباتها أن يلمح شارات دولة تنهض على رسالة بارزة، وتستمد مكانتها ووجاهتها في الداخل والخارج من تمسكها بهذه الرسالة وإنفاذها لأحكامها، وسهرها على رعاياها، ودفاعها عن حوزتها، والتحدث باسمها في المجالات العالمية، والمؤتمرات الدولية.. والخلافة الإسلامية ورثت النبوة في هذه الوظيفة، وظيفة سياسة الجماهير وفق شرائع الإسلام والنظر في مصالحهم الدنيوية والأخروية في نطاق مقررات هذا الدين، وقد بقيت الأمة الإسلامية في أرضها المترامية الأطراف تحترم هذا النظام. وربما انتفض بعض الحكام على هذه الخلافة الجامعة، وأسسوا حكومات خاصة بالأقطار التي استقلوا بها. وسواء عادت هذه الدويلات إلى الكتلة أو ظلت بمنأى عنهاح فإن الفقهاء أطلقوا على كل بلد تقام فيه أحكام الإسلام وتحترم فيه تعاليمه وأهدافه"دار الإسلام"وقد استمات الاستعمار في نسف هذه الدار، وطي الدلالات التي تقترن بها. ونحن الآن أمام وطن إسلامي مبعثر الأفراد والجماعات في بقاع شتى. وتوجد بلا ريب دول تحمل العنوان الإسلامي، لكن من الصعب القول بأن الحكم فيها- نظم أو شرائع القضاء العام بها- يقوم على أسس إسلامية. إن أحوال مسلمي اليوم- على كثرتهم- تشبه مع تجوز يسير- أحوال القلة التي عاشت قبل الهجرة؛ فقد كانوا يمثلون عقيدة تتطلب النظام الذي يحميها ويحييها، ولم يتهيأ لها ذلك النظام المنشود إلا بعد الهجرة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت