فهرس الكتاب
العرب على اختلاف أديانهم: مهما اختلف سكان هذه البلاد في عقائدهم فهم جميعًا مواطنون شرفاء، متساوون في الحقوق والواجبات، لا ينزل بأحدهم ضيم ولا يذاد عن فضل. وقد أرسى الإسلام- وهو دين الكثرة الكبرى من العرب- دعائم هذه المعاملة النبيلة، وعرفت بها دياره يوم كانت"أوروبا"لا تعرف اختلاف الدين إلا على أنه القطيعة الباتة، والخصام الطويل. نعم، فإلى مطالع العصر الحديث كانت دول"أوربا"تألف التناحر المذهبي وتشعل من أجله الحروب التي لا تخمد جذوتها. أما الإسلام الذي جعل بيت الزوجية يسع دينين، فإنه لم يضيق الأرض الفضاء أمام أتباعه وأتباع اليهودية أو النصرانية. ولقد وسعهم المجتمع الإسلامي كما وسع أبناءه على ما أسلفنا. وشراء آخر يجب إبرازه في هذا الدين القيم، إنه لم يسمح فقط لمخالفيه في الرأي أن يعيشوا في كنفه؛ بل جعل حياتهم وكرامتهم في ذمته، فهو يدفع عنهم إن هوجموا، ويرد العدوان إن ظلموا. وكان الخليفة إذا مات أوصى من بعده بعامة المسلمين، وبأهل الذمة على سواء. وليس في تاريخ العقائد- ولن يعرف- أشرف من هذه السياسة، ولم يؤثر عن منتصر- ولن يؤثر أبدًا- أن يحتضن مخالفيه في الرأي، بل مكذبيه في الاعتقاد، فيلقي عليهم كنفه، ويشهر سيفه ذودًا عن حماهم. ولذلك لم تشعر أرض العروبة والإسلام خلال تاريخها الطويل بما يسمى"مشكلة الأقليات"؛ فإن هذه المشكلة وليدة أزمات الخلق، والرأي والضمير التي باضت وفرخت في أوروبا خلال العصور الوسطى، والتي رأى ساسة الغرب أن يرمونا بها إشباعًا لخساساتهم الاستعمارية. ولاشك أن ناسًا كثيرين من أهل الكتاب دخلوا في الإسلام أفواجًا، إعجابًا منهم بهذه السماحة الرائعة، وتخلوا عن دياناتهم الأولى . ص _074