فهرس الكتاب
ثم تحدث رحمه الله عن خصائص الصحابة - صلى الله عليه وسلم - وما انفردوا به عمن
جاء بعدهم فقال:"الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولا أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا، فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به، فيجوز أن يكون سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاها أو من صحابي آخر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه ،الصديق ?، والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة ? إلى ما رووه..."
... هذا فيما انفردوا به عنا، أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن؟. لما خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى. فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في
قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله، في حقهم إلا أمران:
أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسوله كذا.
والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما..
.... هذا إلى ما خصوا به من قوى الأذهان وصفائها، وصحتها وقوة إدراكها، وكماله، وكثرة المعاون، وقلة الصارف، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا، وما شاركناهم فيه، فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم، أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟