فهرس الكتاب
"ومن سمات العقل عند أهل السنة أنه عقل مسلم يعرف حجمه، والآفاق التي له أن يتحرك فيها، والآفاق المغلقه التي يحظر عليه أن يخترقها، أو أن يخطر ذلك بباله؛ فهناك مساحات محظورة، ومساحات مقيدة، ومساحات مفتوحة تمامًا. وكما تلقى أسلافنا آيات الصفات، وفوضوا كيفيتها لله سبحانه وتعالى، شأن الراسخين في العلم الذين يقولون (آمنا به كل من عند ربنا) ؛ فالعقل في المناطق المحظورة التي لم يعط القدرة على إدراكها حذر ووقاف، وشأنه فيها التسليم والإذعان الكامل للنصوص لعلمه ويقينه أن فهم ما وراء هذه المساحات أمر أكبر من إمكانيته وأبعد من طاقته..." [1] .
د) وسطية أهل السنة في نظرتهم للثوابت والمتغيرات:
إن سلفية العقل عند أهل السنة تتجلى أكثر ما تتجلى في تمسكه بالثوابت التي لا تقبل النقض، ولا التجاوز، ولا التغيير، وما سوى الثوابت من الفروع المتجددة والنوازل المتغيرة؛ فإن العقل تظهر مرونته واجتهاده فيها حسب الأحوال والأمكنة والأزمنة منطلقا في اجتهاداته من الأصول، والثوابت المقررة في الشريعة الإسلامية.
وليس التمسك بالثوابت جمودًا ، ولا تحجرًا ، بل هو إقرار واقعي بآدمية الآدمي وقصور عقله ومحدوديته، وربوبية الرب عز وجل وكماله وعظمته وجلاله [2] .
والثوابت لا يمكن الفكاك عنها ولا تجاهلها، ولابد منها حتى عند أصحاب الأفكار المنحرفة من أصحاب المذاهب والأحزاب الأرضية، وعند الغرب والشرق، وعند أصحاب الإدارة، فكلهم يؤكدون على الثوابت، وعدم التنازل عنها. فكيف بدين سماوي هو خاتم الرسالات إلى البشر؛ وهو من عند الله العليم الحكيم، واللطيف الخبير
(1) انظر: العقلانية هداية أم غوايه ص 25.
(2) انظر: العقلانية هداية أم غواية، ص 44 (بتصرف) .