فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 416

المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غايتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها. فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل.

فإذا حرم الرب تعالى شيئًا، وله طرق ووسائل تفصي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه. ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به. وحكمته تعالى، وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبي ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده.

وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها. والذريعة ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء..." [1] ."

ثم شرع في ذكر الأوجه المختلفة لهذه القاعدة حيث ذكر تسعة

وتسعين وجهًا أختار منها ما يلي:

الأول: قوله تعالى: (( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ) [الأنعام:108]

فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم لكونه ذريعة إلى سبهم لله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز.

(1) أعلام الموقعين (3/ 179) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت