فهرس الكتاب
وقد يكون تساهله وانحلاله، بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة، أو المكروهة والتمسك بالشبه، طلبًا للترخيص على من يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره، ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه، ونسأل الله تعالى العافية والعفو..."أهـ [1] ."
الوقفة السابعة: الانتباه الشديد إلى مآلات الفتوى، وما يترتب عليها
من الأفعال والمواقف، وبخاصة في واقعنا المعاصر الذي كثرت فيه النوازل، وانتشرت فيه الأهواء والشهوات فلا جرم كان الإهتمام بهذه المسألة متعينًا، إذ قد لا يكون في المسألة المراد بحث حكمها المجرد بأس ولا حرج، أو قد تكون مسألة خلافية، لكن عندما ينظر إلى مآلات الحكم في زمن ما أو مكان ما أو شخص ما؛ فإن الحكم حينئذ قد يتغير؛ فإن كان يغلب على الظن أن الحكم سيئول إلى مفسدة وشر، ووقوع في الحرام، فإنها تصبح حرامًا، لأن الوسائل لها حكم المقاصد. وإن كان الحكم لا يؤول إلى وقوع في الحرام، أو مفسدة على الدين فانها تبقى جائزة.
وهذا يدخل فيما يعرف بقاعدة سد الذرائع، وهي قاعدة عظيمة شريفه يحصل بإلغائها وعدم مراعاتها مفاسد عظيمة في أديان الناس ونفوسهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم. والعجب ممن لا يراعيها في نظره للأحكام وما يفتي به الناس في أمور دينهم ودنياهم، مع أن كثير من التشريعات الإسلامية في الكتاب والسنة كان قائمًا على هذه القاعدة، لأن المحرمات في الإسلام منها ما هو محرم لذاته ومنها ما هو محرم لغيره. والمحرم لغيره إنما حرم لا لأنه في ذاته حرام، وإنما لما سيؤدي إلى الوقوع في المحرم لذاته، والأمثلة في ذلك كثيرة. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الثه تعالى تسعة وتسعين وجهًا لهذه القاعدة في كتابه المشهور أعلام الموقعين قدم لها بقوله: لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل
(1) في أدب المفتي (ص ا 11) .