فهرس الكتاب
وفي معنى هذا كل بيع أو إجارة أو معاوضة تعين على معصية الله كبيع السلاح للكفار والبغاة وقطاع الطريق، وبيع الرقيق لمن يفسق به أو يؤاجره لذلك، أو إجارة داره أوحانوته أو خانه لمن يقيم فيها سوق المعصية، وبيع الشمع أو إجارته لمن يعصي الله عليه، ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يبغضه الله ويسخطه.
ومن هذا عصر العنب لمن يتخذه خمرًا، وقد لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو والمعتصر معًا. ويلزم من لم يسد الذرائع أن لا يلعن العاصر، وأن
يجوز له أن يعصر العنب لكل أحد، ويقول: القصد غير معتبر في العقد، والذرائع غير معتبرة، ونحن مطالبون في الظواهر، والله يتولى السرائر، وقد صرحوا بهذا، ولا ريب في التنافي بين هذا وبين سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..." [1] ."
ثم عقب على هذه الأوجه وغيرها بقوله:"وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي. والأمر نوعان، أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود. والنهي نوعان؛ أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة؛ فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين" [2] (2) .
من خلال هذه النقولات النفيسة في أهمية مراعاة مآلات الفتوى المنطلقة من قاعدة سد الذرائع، يتبين لنا خطورة إهمالها، وأن ذلك يؤول إلى مفاسد كثيرة، وتحايلات على الشرع، ونشر للفساد من قبل المفسدين المتربصين بمثل هذه الفتاوى، والذين يسعون إلى توظيفها في مخططاتهم الخبيثة الداعية إلى مسايرة الركب، ومواكبة الغرب الكافر في أفكاره وأخلاقياته الفاسدة.
وإن المفتي الموفق هو الذي يتأنى في إفتاء المستفتين قبل إفتائهم، وبخاصة إذا كانت الفتوى تتعلق بالجوانب الإجتماعية في الأمة، أو
(1) هذه سبعة أوجه من ضمن تسعة وتسعين وجهًا ذكرها الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين (3/ 83 1- 8 0 2) .
(2) نفس المصدر (3/ 208) .