فهرس الكتاب
زاد هذا الأمر على قدر الكفاية، حتى صار الخلاف في المسائل معدودًا في حجج الإباحة ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف، فإن له نظرًا آخر، بل في غير ذلك. فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لم تمنع والمسألة مختلف فيها؟ فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفًا فيها؛ لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع. وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمدمعتمدًا وما ليس بحجة حجة.
حكى الخطابي في مسألة البتع [1] المذكورة في الحديث عن بعض
الناس أنه قال: إن الناس لما اختلفوا في الأشربة، وأجمعوا على تحريم خمر العنب، واختلفوا فيما سواه حرمنا ما اجتمعوا على تحريمه وأبحنا ما سواه. قال وهذا خطأ فاحش. وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، قال: ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل للزم مثله في الربا والصرف ونكاح المتعة، لأن الأمة قد اختلفت فيها. قال: وليس الاختلاف حجة. وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين. هذا مختصر ما قال. والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلًا لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه. ومن هذا أيضًا جعل بعض الناس الاختلاف [2]
(1) البتع: نوع من أنواع النبيذ.
(2) انظر للرد على حديث: (إن اختلاف أمتي رحمة) كتاب: (اتمام المنة والنعمة في ذم أختلاف الأمه، للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسين ال الشيخ.
ت: الوليد بن فريان ص 31.