فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 416

رحمة للتوسع في الأقوال، وعدم التحجير على رأي واحد، ويحتج في ذلك بما روي عن القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما مما تقدم ذكره. ويقول: إن الاختلاف رحمة وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر، والذي عليه أكثر المسلمين. ويقول له: لقد حجرت واسعًا، وملت بالناس إلى الحرج، وما في الدين من حرج، وما أشبه ذلك. وهذا القول خطأ كله وجهل بما وضعت له الشريعة. والتوفيق بيد الله. وقد مر من الدليل على خلاف ما قالوه ما فيه

كفاية والحمد لله. ولكن نقرر منه ههنا بعضًا على وجه لم يتقدم مثله.

وذلك أن المتخير بالقولين مثلًا بمجرد موافقة الغرض إما أن يكون حاكمًا به، أو مفتيًا، أو مقلدًا عاملًا بما أفتاه به المفتي.

أما الأول: فلا يصح على الإطلاق، لأنه إن كان متخيرًا بلا دليل لم

يكن أحد الخصمين بالحكم له أولى من الاخر، إذ لا مرجح عنده بالفرض إلا التشهي. فلا يمكن إنفاذ حكم على أحدهما إلا مع الحيف على الآخر. ثم إن وقعت له تلك النازلة بالنسبة إلى خصمين آخرين فكذلك، أو بالنسبة إلى الأول فكذلك، أو يحكم لهذا مرة ولهذا مرة. وكل ذلك باطل ومؤد إلى مفاسد لا تنضبط بحصر. ومن ههنا شرطوا في الحاكم بلوغ درجة الاجتهاد، وحين فقد لم يكن بد من الإنضباط إلى أمر واحد كما فعل ولاة قرطبة حين شرطوا على الحاكم أن لا يحكم إلا بمذهب فلان. فانضبطت الأحكام بذلك وارتفعت المفاسد المتوقعة من غير ذلك الارتباط. وهذا معنى أوضح من إطناب فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت