فهرس الكتاب
بدورهما يؤديان إلى مهادنة الظلمة والرضا منهم بالكف عن الدعوة مقابل التعاون معهم، والسكوت عن باطلهم، وفسادهم. وهذا من أخطر ما يكون على الدعوة وأهلها، فإن ذريعة هذه الدعوة التصالحية مع الأنظمة العلمانية في البلاد الإسلامية هي انقاذ الصحوة الإسلامية وشبابها من محرقة التصادم مع هذه الأنظمة، ولكن الخشية من إلقاء هذه الصحوة وشبابها في بوتقة الانصهار والذوبان في واقع غير إسلامي فهي دعوة إلى الانصهار بحجة الهروب من الاحتراق.
ولا يفهم من هذا الكلام إقرار اسلوب التصادم ولكن المقصود أن لا نعالج الخطأ بخطأ مقابل يفتقر إلى الأسس العلمية والموضوعية.
الملاحظة الثانية: إن هذه المواقف وإن كانت لا تزال في صورة أسئلة مطروحة فإنها تتضمن بعض المغالطات، وعدم تحقيق المناط فيها.
ومثالأ لذلك الاستشهاد بعمومات النصوص التي تحض على التعاون على البر والتقوى، أو بالاستشهاد بصحيفة المدينة التي تعاون فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الطوائف الكفرية على الدفاع عن المدينة، وذلك للتدليل على جواز التحالف مع الأحزاب الكفرية اليوم مقابل التصدي للعدو المشترك! فأي بر وأي تقوى يمكن أن يتعاون عليهما مع الأنظمة، أو الأحزاب التي تتنكر للبر والتقوى، وهي ما قامت إلا على الإثم وا لعدوان؟!
إن هذا الشيء عجاب، وأعجب منه الاستدلال بالمعاهدات التي تمت
بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغير المسلمين في المدينة على الدفاع المشترك عن المدينة، لأن المناطين مختلفان، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - هو رئيس الدولة، والكل خاضعون له، وهو الأقوى في أي تحالف أو معاهدة، فأين هذا من الواقع المعاصر الذي يظهر فيه العكس، حيث الاستضعاف للدعوة والعاملين فيها بينما القوة والهيمنة للظلمة والأحزاب الكافرة؟! وعلى أية حال فإن المقام هنا لا يتسع للرد على هذا التوجه الخطير وإنما أكتفي بهذه الإشارات السريعة والحر تكفيه الإشارة.