الصفحة 21 من 40

قال ابن قدامة: وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك، نص عليه أحمد, ولا نعلم فيه خلافًا, ويكون العامل الأول وكيلًا لرب المال في ذلك, فإذا دفعه إلى آخر, ولم يشترط لنفسه شيئًا من الربح كان صحيحًا، وإن شرط لنفسه شيئًا من الربح لم يصح, لأنه ليس من جهته مال ولا عمل, والربح إنما يستحق بواحد منهما (1) ·

وبهذا قال المالكية حيث يرون المضارب الأول وكيلًا لا يستحق شيئًا، قال ابن رشد: وأما إذا قال له حين أخذه المال منه, إني أدفعه إلى من يعمل فيه قراضًا, أو أبعثه إلى من يعمل به قراضًا, ولم يشترط ذلك، فذلك إذن منه له في أن يقارض به, فإن قارض فيه بأكثر من الجزء الذي اشترطه, كان الفاضل لرب المال, لا له, وهو نص قول مالك في كتاب ابن المواز (2) ·

أما الشافعية فقد فصلوا المسألة إلى صورتين:

الأولى: أن يأذن رب المال للعامل بمضاربة غيره, مع نهيه له أن يعمل فيه بنفسه, فهذا وكيل بلا خلاف ·

والصورة الثانية: أن يأذن له بالعمل بنفسه, وفي مضاربة غيره، فيكون بالخيار لمكان الإذن - في العمل بنفسه, وفي مضاربة غيره, فإن عمل بنفسه صح, وكان الربح مقسومًا بينهما على الشرط, وإن قارض غيره كان وكيلًا في عقد القراض معه, وخرج من أن يكون عاملًا, والربح لرب المال والعامل فيه, فإن شرط في الربح سهمًا لنفسه, كان القراض فاسدًا, لأن ربح القراض موزع على المال والعمل, وهو وكيل, ليس له مال ولا عمل, فلا يكون له في الربح حق, وصار شرطه منافيًا للعقد فبطل, وصار العامل مضاربًا في قراض فاسد, فوجب أن يكون الربح كله لرب المال, وعليه للعامل أجرة مثله, لجواز مقارضته, وإنما بطل العقد لفساد الشرط, ولا ضمان على الوكيل ولا على العامل, لأن كلًا منهما غير متعد في المال, وإنما حصل التعدي في العقد (1) ·

أما الحنفية فيرون أن المضارب الأول, إذا دفع المال مضاربة لآخر، بإذن من رب المال, استحق من الربح حسب الاشتراط, كالأجير المشترك، إذا استأجر آخر بأقل مما استؤجر (2) ، ثم يفرق الحنفية بين عبارات رب المال, فلو قال: ما رزق الله بيننا نصفان, فدفعه المضارب الأول لآخر بالثلث، فلرب المال نصف الربح, أما النصف الباقي فللمضاربين, للأول السدس، وللثاني ما اشترط, وهو الثلث, وإن دفعه بالنصف, فالربح بين رب المال والعامل الثاني, وليس للأول شيء, وإن دفعه على أن للمضارب الثاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت