الصفحة 138 من 292

بمعنى أن تقع السورة موقع العلة لما قبلها، ومثاله عند السيوطي سورة البينة الواقعة موقع العلة لما قبلها؛ كأنه سبحانه لما قال في القدر: (إنا أنزلناه) ، قيل: لم أُنزل؟ فقيل: لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، وهو رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة، وذلك هو المُنَزَّل (1) .

ومن ذلك أيضًا اختتام الواقعة بالأمر بالتسبيح، وافتتاح الحديد به؛ على اعتبار أن أول الحديد واقع موقع العلة للأمر به وكأنه قيل: ژ ? ? ? ? ? ژ [الواقعة] ، لأنه ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ [الحديد] (2) .

التناسب على أساس التعجب والإنكار:

ومثال ذلك مناسبة أول المعارج آخر الحاقة، فقد دل على وجوب وقوعها بتسميتها الحاقة تنبيهًا على أنه لا بد منها ولا محيد عنها، ولم يبق هناك نوع لبس في وجوب التفرقة في الحكم بين المحسن والمسيء، وأن ترك ذلك مناف للكمال؛ لم يبق عذر لأحد أن ينكرها ويسأل عن وقوعها، ولو فعل أي أحد لكان جديرًا بالتعجب منه والإنكار عليه (3) .

والأمر نفسه يقال في مناسبة أول سورة النبأ لآخر المرسلات، فإنه لما أخبر في آخر المرسلات بتكذيبهم بيوم الفصل وحكم على أن لهم بذلك الويل المضاعف المكرر، وختمها بأنهم إن كفروا بهذا القرآن لم يؤمنوا بعده بشيء؛ افتتح سورة النبأ بأن من خالفوا فيه وكذبوا الرسول في أمر لا يقبل النزاع، فقال معجبًا منهم غاية العجب، زاجرًا لهم ومنكرًا عليهم، ومتوعدًا لهم ومفخمًا للأمر بصيغة الاستفهام (4) .

وثمة أوجه أخرى للمناسبة؛ بين الآيات بعضها ببعض، وكذا بين السور، وفي داخل الآية الواحدة وبالذات فواصل الآيات، مما أورده البقاعي والسيوطي وغيرهما، لكن غاية هذا المبحث هي التمثيل، لا الاستقصاء.

(1) …السيوطي، السابق، ( ص 141) .

(2) …السيوطي، تناسق الدرر، ( 121-122) .

(3) …البقاعي، نظم الدرر، ( 8/143-144) .

(4) …البقاعي، السابق، ( 8/294-295) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت