فهرس الكتاب
أنهم كادوا ألا يذبحوها، مع أن ذلك خلاف ترتيب النظم في الآية الكريمة، والذي دفعهم إلى ذلك، أن الآية قد تحدثت عن وقوع الذبح ولا يستقيم القول بأنهم لم يقاربوه بعد إذ فعلوه، ولذلك أوّلوا الأمر بأنهم قاربوا النفي لغلاء ثمنها أو لخوف الفضيحة (1) ، وليس في النص ما يدل على أحدهما.
ويؤكد ذلك أن هذه القصة التي بها سميت السورة، جاءت تتويجًا لسلسلة من المخالفات والمعاندات، وكان المتوقع منهم أن يتقوا بعد رفع الطور فوقهم والتنكيل بمن اعتدوا في السبت، [ الآيات:63-66] ، بل بعد رؤية الميْت ثم بعثه حيًا ثم موته مرة ثانية، لكن الواقع الذي ورد في التعليق على قصة البقرة، أن قد قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وحيث لم تتحصل التقوى لديهم وهي الأساس للاهتداء بكتاب الله تعالى، فقد انتهت الآيات إلى تيئيس المؤمنين من الطمع في إيمانهم.
المطلب الثاني
حكمة الأمر بذبح البقرة
قال الماوردي (2) :"وإنما أَمر- والله أعلم - بذبح البقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته" (3) ، وقال بمثل قوله أبو حيان:"وإنما اختص البقر من سائر الحيوانات لأنهم كانوا يعظمون البقر ويعبدونها من دون الله فاختبروا بذلك؛ إذ هذا من الابتلاء وهو أن يؤمر الإنسان بقتل من يحبه ويعظمه" (4) .
(1) …الرازي، التفسير الكبير، (3/505) .
(2) …هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب القاضي البصري الشافعي، ( ت450هـ) ، له الأحكام السلطانية، وأدب الدنيا والدين، الحاوي في الفقه، وقانون الوزارة، [ طبقات السيوطي، ص83-84، طبقات الأدنروي، ص119-120] .
(3) …الماوردي، علي بن محمد بن حبيب، النكت والعيون، ( 1/137) ، دار الكتب العلمية، بيروت،د ت، د ط.
(4) …أبو حيان، البحر المحيط، (1/404) .