فهرس الكتاب
فهذا رسول الله صلى الله عليه و سلم يبعث معاذًا إلى اليمن ويوليه ثقته وهو شاب ، مع لفت نظره وتوجيهه والاطمئنان على المنهج الذي سيسير عليه .
و هاهو صلى الله عليه وسلم يدعو لابن عباس: (( اللهم فقِّهه الدين وعلِّمه التأويل ) ).
وهاهو يولِّي أسامة بن زيد الجيش العظيم .
ولا يدري كثير من الناس أن الطفل واحد من رجال الأمة، إلا أنه مستتر بثياب الصبا ، فلو كُشف لنا عنه وهو كامن تحتها لرأيناه واقفًا في مصافّ الرجال القوامين ، ولكن جرت سنة الله أن لا يتفتق زوال تلك الأستار إلا بالتربية شيئًا فشيئًا ، ولا تؤخذ إلا بالسياسات الجيدة على وجه التدرج (1) .
وحين ينظر المعلم إلى طالبه نظرة واثقة بأنه سيحقق كذا وكذا ، وسيحفظ كذا وكذا ، فأن الطالب يشعر بأنه قادر على الإنجاز وتنبعث الرغبة في نفسه وينشط لتحقيقها .
وبعد بث روح الثقة في طلابك ، لا يخفى عليك أن الله تعالى قد ( فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول و الفهوم ، وميز بين الأعطيات والقدرات التي يهبها لمن يشاء من الناس ، بدليل قوله -على سبيل المثال:"نحنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيْشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درَجَات"(الزخرف -32) ، والمعلم الناجح يستخدم ويوظف هذه الطاقات لدعم عمله والارتقاء به ، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام وأوكل لكل واحد المهمة التي يتقنها ويجيدها أكثر من غيره فيوظفها وينميها .
ففي قيادة الجيوش كان خالد وأسامة وأبو عبيده، لحنكتهم فيها .
وفي الدعوة كان مصعب ومعاذ، لرقة الأسلوب والقدرة على الإقناع .
وفي الرد على الخصوم كان حسان، لقوة شِعره وتأثيره عليهم .
و في فتح خيبر كان عليٌّ، لشجاعته وإقدامه واقتحامه الحصون ،